أردوغان يفرض قيادة على مقاسه لحزب العدالة والتنمية

خبراء: الخطاب الشعبوي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعيق وضع حلول لوقف تدهور الليرة التركية.
الأحد 2018/08/19
الهروب إلى الأمام

أنقرة - وصفت أوساط تركية مؤتمر حزب العدالة والتنمية التركي بأنه امتداد لسيطرة الرئيس رجب طيب أردوغان على الحياة السياسية في تركيا، وأن المؤتمر هو النسخة التي أرادها أردوغان من الحزب للاستمرار في معاركه الداخلية والخارجية دون معارضة قوية، بعد أن نجح في تحييد قيادات بارزة.

يأتي هذا في وقت يشدد فيه خبراء اقتصاديون على أن الخطاب الشعبوي الذي يطلقه الرئيس التركي يعيق وضع حلول عاجلة لوقف تدهور الليرة.

ورشح حزب العدالة والتنمية، خلال المؤتمر الاعتيادي السادس المنعقد في أنقرة، السبت، أردوغان لزعامة الحزب من جديد. وذلك بـ1380 صوتا، أي بموافقة كل المندوبين المشاركين في التصويت.

وقال رئيس ديوان المؤتمر محمد علي شاهين إنهم تسلموا المقترح الموقع من قبل 1457 مندوبا في الحزب، حول ترشيح أردوغان رئيسا للحزب من جديد.

وأسس أردوغان حزب العدالة والتنمية عام 2001، وتولى قيادته حتى 2014، حيث استقال منه بسبب ترشحه لرئاسة البلاد، بموجب الدستور، الذي ينص على عدم انتساب الرئيس لأي حزب سياسي، قبل التعديلات الدستورية الأخيرة.

وفي مايو 2017، أعاد الحزب انتخاب أردوغان، رئيسا له خلال مؤتمره العام الاستثنائي الثالث في أنقرة، بناء على التعديلات الدستورية التي صوت الناخبون الأتراك لصالحها في استفتاء 16 أبريل 2017، والتي تسمح لرئيس الجمهورية بأن يكون منتميا إلى حزب.

وأشار متابعون لفعاليات المؤتمر إلى أن ولاء القيادات الحاضرة لأردوغان وسياساته الشعبوية يكشف أنه جرت عملية انتقاء واضحة خلال تصعيد القيادات الوسطى لعضوية المؤتمر، وأن الهدف هو انتخاب القائمة التي يقدمها أردوغان، والتي تدعم بشكل كامل خياراته.

وقال المتابعون إن المؤتمر يأتي ليكرس سلطات أردوغان كزعيم مطلق، وإقصاء مَن لا يطيعه بشكل أعمى، أو مَن يتجرّأ على مناقشة خياراته، مذكرين بالطريقة التي تم من خلالها التخلص من منظّر الحزب ووزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو، والرئيس السابق عبدالله غول، اللذين اضطرا إلى الانسحاب من الحزب وإعلان عدم رغبتهما في منافسة أردوغان داخل الحزب أو في الانتخابات العامة.

أردوغان وحزبه، من الأكثرية إلى الأغلبية إلى الكلية: 1380 صوتا من 1380 مندوبا

ويلفت هؤلاء إلى أن أردوغان لا يفرّق بين قيادات العدالة والتنمية أو أي شخصية أخرى منافسة، وأنه يعتقد أن المختلفين معه هم أعداؤه الشخصيون.

وتحتاج تركيا إلى قيادات سياسية قوية تعارض سياسة التصعيد التي ينتهجها أردوغان في الداخل، وخاصة في علاقاته الخارجية، حيث سبق أن وتر علاقات بلاده مع الدول العربية، ومع أوروبا وروسيا، والآن يصطدم بالولايات المتحدة التي بادرت إلى تسليط عقوبات على وزيري الداخلية والدفاع في تركيا وإقرار سلسلة من الرسوم على المنتجات التركية، ما أدى إلى تهاوي الليرة.

وخسرت العملة التركية حوالي 40 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار منذ بداية العام وسجّلت انهيارا هائلا في الأيام الأخيرة.

وأكد أردوغان، السبت، أن تركيا “لن ترضخ” للولايات المتحدة، في تصريح إضافي يصبّ في إطار التجاذب مع واشنطن. وقال خلال مؤتمر الحزب الإسلامي المحافظ “لن نرضخ لأولئك الذين يقدمون أنفسهم على أنهم شركاؤنا الاستراتيجيون في حين يسعون لجعلنا هدفا استراتيجيا”.

وتابع “البعض يعتقد أن بإمكانه تهديدنا عبر الاقتصاد، العقوبات، أسعار الصرف، معدلات الفوائد والتضخم. لقد كشفنا خدعكم ونحن نتحداكم”.

ويرى الاقتصاديون أن أنقرة يجب أن تتخذ تدابير طارئة لإنقاذ عملتها التي يقلق انهيارها أوروبا. لكن معظم الحلول التي يدعون إليها تتعارض مع السياسة التي اعتمدها أردوغان حتى الآن.

ويؤكد الخبراء منذ أشهر عدة على ضرورة أن يلجأ البنك المركزي إلى زيادة معدلات الفائدة لدعم الليرة والتصدي للتضخم المتصاعد.

إلا أن أردوغان يعارض بحزم مثل هذا التدبير. فقد فوجئت الأسواق في الشهر الماضي برفض البنك المركزي اتباع هذا المسار رغم خطورة الوضع. ولجأ البنك المركزي في الأيام الأخيرة بتكتم إلى آلية تتيح له رفع المعدل كل يوم بيومه بحكم الأمر الواقع.

ويرى وليم جاكسن من “كابيتال إيكونوميكس″ وهو مجلس استشاري متخصص في الأبحاث الاقتصادية، أن هذه الوسيلة الملتوية “عززت القلق من أن (البنك المركزي) يخشى من غضب” الحكومة.

ويتساءل الخبراء حول قدرة أردوغان على مواجهة الأزمة الحالية، خصوصا بعد تعيين صهره براءت البيرق، حديث العهد بالسياسة وزيرا للمالية في يوليو الماضي.

ويعتبر الاقتصادي المتخصص في الأسواق الناشئة تيموثي أش أن المواقف “غير التقليدية” التي يتخذها أردوغان المقتنع مثلا بأن تخفيض المعدلات يقلّص التضخم، خلقت “أزمة ثقة”.

نصف حلول لأزمة عميقة
نصف حلول لأزمة عميقة

وخفّضت وكالات التصنيف الائتماني “ستاندرد أند بورز″ و”موديز″ تصنيف ملاءة تركيا (أي أهليتها للحصول على قروض وقدرتها على تسديدها). وقد أعربت “ستاندرد أند بورز″ عن استيائها جراء غياب خطة “موثوقة” لأنقرة في وجه الاضطرابات الحالية.

وإذا لم تكن الأزمة مع واشنطن، المرتبطة خصوصا بمصير القسّ الأميركي المحتجز قي تركيا، السبب الوحيد لانهيار الليرة، غير أنها ساهمت في ذلك بشكل كبير.

وفي حين تتصاعد التوترات مع واشنطن، تكثف أنقرة التواصل مع روسيا، وأوروبا التي انتقدت بشدة انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا منذ سنتين.

وأشارت مجموعة “أوراسيا” الاستشارية المتخصصة في العلاقات الدولية إلى أن الأزمة مع الولايات المتحدة ستدفع بأردوغان إلى أن يكون “أكثر حذرا في تعامله مع الاتحاد الأوروبي”.

ورأى مصدر دبلوماسي أوروبي أن الإفراج هذا الأسبوع عن جنديين يونانيين ومدير مكتب منظمة العفو الدولية في تركيا “ليس صدفة”.

وتعتقد الدوائر الاقتصادية بأن لا مخرج من الأزمة ما لم تلجأ تركيا إلى صندوق النقد الدولي لطلب المساعدة. إلا أن ذلك يفترض أن يتنازل أردوغان، الذي يتفاخر بأنه “سدد ديون” بلاده، عن كبريائه وأن توافق واشنطن التي تتمتع بنفوذ قوي في هذا الصندوق.

وأشار البيرق إلى أن تركيا ليس لديها “أي تواصل مع صندوق النقد الدولي” مضيفا أن أنقرة ستعمل على استقطاب استثمارات جديدة.

ويلفت هولغر شميدينغ من بيرنبيرغ بنك إلى أن القوة الاقتصادية الـ17 عالميا “هي أكبر بكثير من أن تبقى عائمة طويلا مع جرعات صغيرة من الأموال الأجنبية”.

ويشير شميدينغ إلى أن أردوغان “سيحاول على الأرجح الصمود مع نصف تدابير في الأسابيع القادمة”. ويضيف “من غير المحتمل أن يحلّ ذلك الأمور بشكل نهائي”.

1