أردوغان يقايض ترامب: المحتجزون الأميركيون مقابل العقوبات

مراقبون يرون أن أردوغان الذي سيلتقي ترامب في طوكيو على هامش قمة العشرين يحاول خطب ودّ الرئيس الأميركي غير المندفع لفرض عقوبات على أنقرة.
الأربعاء 2019/06/26
هدية قد لا تقبل

يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال لقائه نظيره الأميركي دونالد ترامب الأسبوع الجاري، على هامش قمة العشرين التي تحتضنها اليابان، إلى تفادي عقوبات أميركية بسبب اقتنائه صواريخ أس- 400 الروسية. وجهّز الرئيس التركي “هديّة” وهي تسوية ملف المحتجزين الأميركيين لدى أنقرة مقابل التراجع عن العقوبات، لاسيما وأن هذه المقايضة نجحت سابقا في تراجع واشنطن عن فرض عقوبات اقتصادية على أنقرة، لكنّ محللين استبعدوا أن تكلل مساعي أردوغان بالنجاح هذه المرة.

إسطنبول - قرّرت محكمة تركية في إسطنبول، الثلاثاء، رفع الإقامة الجبرية عن المواطن التركي نظمي جان تورك الموظف بالقنصلية الأميركية في إطار أحكام الرقابة القضائية، في خطوة مفاجئة تعيد إلى الأذهان قرار إطلاق سراح القس الأميركي المحتجز في تركيا أندرو برونسون والذي رفعت بموجبه عقوبات أميركية على أنقرة.

وجان تورك، المسؤول الأمني بالقنصلية الأميركية في إسطنبول، متهم هو وزوجته وابنته بأن لهم صلات بشبكة فتح الله غولن رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة الذي تُلقي أنقرة باللوم عليه في محاولة انقلاب عام 2016.

وكان القضاء التركي قد رفض رفع الإقامة الجبرية عن الموظف في القنصلية الأميركية مرارا، لكن يبدو أن تهديد الولايات المتحدة بفرض عقوبات على تركيا بسبب شرائها لمنظومة الصواريخ الروسية أس- 400 كان مبعثا رئيسيا لاتخاذ مثل هذه الخطوة المفاجئة.

ويعتبر ملف المحتجزين الأميركيين لدى تركيا على إثر محاولة الانقلاب الفاشل من أبرز أسباب توتر العلاقات بين واشنطن وأنقرة، إضافة إلى ملف الصواريخ الروسية والملف السوري.

ويرى مراقبون أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي سيلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب في طوكيو نهاية الأسبوع الجاري على هامش قمة العشرين، يحاول خطب ودّ الرئيس الأميركي، غير المندفع لفرض عقوبات على أنقرة بسبب شرائها صواريخ أس- 400 الروسية، عبر الاستجابة لأحد المطالب الأميركية وهي ملف المحتجزين.

ويسعى الرئيس التركي، الذي يحمل هديّة لترامب في قمة العشرين، إلى تفادي عقوبات أميركية تضر باقتصاد بلاده المتراجع أصلا، خاصة وأنه صرح في وقت سابق أنه يعول على حكمة الرئيس الأميركي لتفادي العقوبات.

ووضع الرئيس التركي في أجندته أن اجتماع قمة العشرين كفيل بحل القضايا الخلافية المعقدة التي تضرب علاقات البلدين في العديد من المستويات، وهو ما يتقاطع مع رأي الكثير من المراقبين والمحليين السياسيين، فالحكومة التركية قطعت آخر أمل في إنقاذ تلك العلاقات بالتخلي عن صفقة الصواريخ الروسية أس- 400 عندما أعلنت أنها ماضية في الصفقة ولن تتراجع عنها.

وتعلم حكومة العدالة والتنمية أن هذه الصفقة تشكل نقطة خلاف جوهرية ولا بد من حلّها جذريا قبل التقدم باتجاه حل القضايا الأخرى.

مولود جاويش أوغلو: لن نتخلى عن شراء الصواريخ عندما تحضها واشنطن على ذلك
مولود جاويش أوغلو: لن نتخلى عن شراء الصواريخ عندما تحضها واشنطن على ذلك

وتأكيدا على المضي في الصفقة ورفض الموقف الأميركي منها، أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن بلاده لا تخشى احتمال فرض عقوبات أميركية عليها في حال تسلّمت المنظومة الدفاعية الروسية المضادة للطائرات.

وصرّح جاويش أوغلو خلال مؤتمر صحافي في أنقرة الاثنين، “تركيا ليست دولة تشتري أو تتخلى عن هذه الأجهزة أو تلك عندما تحضّها الولايات المتحدة أو آخرون على ذلك”.

وأضاف “فلتفرض الولايات المتحدة العقوبات التي تريدها ولتصرّح بما ترغب. نحن اشترينا صواريخ أس- 400 ونناقش حاليا موعد التسليم”.

وتابع “إذا استهدف الهجوم تركيا، لا يمكننا أن نعتمد على حلف شمال الأطلسي أو حلفاء آخرين للدفاع عنّا، لأن قدرة حلف الأطلسي لا تغطي إلا 30 بالمئة من المجال الجوي التركي”.

ومنذ ثلاثة أسابيع، وجّه باتريك شاناهان، الذي كان وزيرا للدفاع بالوكالة، إلى أنقرة رسالة وأمهلها حتى 31 يوليو للعدول عن شراء صواريخ أس- 400. وتعتبر واشنطن أن هذه المنظومة قادرة على خرق أسرار طائرة أف- 35 الأميركية الجديدة التي تريد تركيا أيضا حيازتها.

وإذا لم تتراجع تركيا عن شراء هذه الصواريخ بحلول نهاية يوليو، سيُطرد الطيارون الأتراك الذين يتدربون حاليا في الولايات المتحدة على قيادة طائرات أف- 35، وفق ما قالت واشنطن.

وأضافت أن العقود الممنوحة لشركات تركية لصناعة قطع لطائرات أف- 35 ستُلغى كما أنه سيتمّ استبدال الموظفين الأتراك في المجموعة الدولية المصنّعة للمقاتلات.

ونقلت وكالة بلومبرغ للأنباء عن ثلاثة مصادر القول، إن الحزمة الأشد من العقوبات التي يدرسها المسؤولون في مجلس الأمن القومي الأميركي ووزارتي الخارجية والخزانة ستؤدي إلى شلل شبه كامل للاقتصاد التركي المتعثر بالفعل، مضيفة أن أي عقوبات جديدة ستكون إضافة إلى القرار الأميركي السابق بإلغاء صفقة بيع الطائرات المقاتلة من طراز أف- 35 إلى تركيا إذا أصرّت على شراء صواريخ أس- 400 .

وأشارت بلومبرغ إلى أن الاتجاه الأقوى لدى المسؤولين الأميركيين يتمثل في فرض عقوبات على عدد من الشركات التركية الكبيرة العاملة في مجال الصناعات العسكرية وفقا للقانون الأميركي المعروف باسم “قانون محاسبة خصوم أميركا من خلال العقوبات” الذي يتيح فرض عقوبات على المؤسسات التي تتعامل تجاريا مع روسيا.

وهذه العقوبات ستؤدي إلى حرمان الشركات التركية من التعامل مع النظام المالي الأميركي، وهو ما يعني أنه سيكون من شبه المستحيل بالنسبة لها شراء المكونات الأميركية لمنتجاتها أو بيع هذه المنتجات إلى الولايات المتحدة.

ويخشى الأميركيون من أن تُستخدم تكنولوجيا أس- 400 لجمع بيانات حول طائرات الناتو العسكرية، وأن تصل هذه المعلومات إلى روسيا، كما يشير هؤلاء إلى مشكلات حول التوافق التشغيلي للأنظمة الروسية مع أنظمة حلف شمال الأطلسي الناتو. وإذا مرر الكونغرس تشريعا يحظر تسليم الطائرات أف- 35 أو نقلها لتركيا من دون منح الرئيس سلطة رفع الحظر، فقد تجد تركيا نفسها تتعامل مع وزارة خارجية غير متحمّسة لدعم مثل هذا الإعفاء من الحظر بناء على شراء أنقرة نظام أس- 400.

وإذا اقتنع كبار مستشاري السياسة الخارجية في الجناح التنفيذي بالولايات المتحدة بأن تركيا، وليس الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه فحسب، أدارت ظهرها للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، فقد يُعتبر حينئذ تعطيل برنامج أف- 35 ثمنا يستحق دفعه لإنقاذ الحلف من تقويض بلد عضو له علاقاته بدولة مثل روسيا التي تخالف قيم ومعايير السلوك لدى الحلف.

5