أردوغان يلوح بالحل العسكري في ذكرى تقسيم قبرص

البحرية الفرنسية تعرب عن استعدادها لمواجهة التصعيد التركي في السواحل القبرصية ذات الأهمية الإستراتيجية.
الاثنين 2019/07/22
لا تهاون أوروبيًّا مع الاستفزازات التركية المتواصلة في المتوسط

أعادت الذكرى الـ45 لتقسيم جزيرة قبرص التوترات التي طالما سادت العلاقات بين تركيا وقبرص من جهة واليونان وتركيا من جهة أخرى، وعلى الرغم من القيود الأوروبية الأخيرة وتحذيرات البحرية الفرنسية من مواجهة تركيا في قبرص، تصر أنقرة على زيادة التصعيد في المتوسط، بتأكيدها أنها ماضية في التنقيب ولن تتأثر بأيّة عقوبات أو قيود تُفرَض عليها، ومن شأن هذا التوتر أن يعرقل عمل الشركات الأجنبية للتنقيب عن النفط، كما سيفاقم أزمات المنطقة.

نيقوسيا – تشهد العلاقات المتوترة بين قبرص وتركيا منذ أكثر من أربعين عاما بسبب مسألة تقسيم الجزيرة المتوسطية، تصعيدا حول مسألة احتياطات الغاز قبالة السواحل القبرصية، بعدما قررت أنقرة القيام بعمليات تنقيب.

وتطمح قبرص لأن تصبح لاعبا كبيرا في مجال الطاقة بعد اكتشاف حقول ضخمة من الغاز في شرق البحر المتوسط في السنوات الأخيرة.

ووقعت السلطات القبرصية عقودا مع شركات عملاقة للطاقة مثل “إيني” و”توتال” و”إكسون موبيل” للتنقيب عن الغاز. لكن تركيا التي يحتل جيشها شمال الجزيرة تعارض أي عملية تنقيب واستخراج للغاز يتم إقصاء القبارصة الأتراك منها.

وتزامنا مع ذكرى الـ45 لتقسيم جزيرة قبرص لوح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تصريحات صحافية بالحل العسكري في قبرص؛ إذ قال إن جيش تركيا لن يتردد في الإقدام على خطوات كالتي اتخذها قبل 45 عاما عندما يتعلق الأمر بحياة وأمن الشعب القبرصي التركي.

وأرسلت أنقرة في الأشهر الماضية ثلاث سفن للتنقيب قبالة قبرص متجاهلة تحذيرات الاتحاد الأوروبي وواشنطن، وتوعدت الثلاثاء بتكثيف أنشطة التنقيب رغم تصويت الاتحاد الأوروبي على سلسلة تدابير بحقها لردعها عن القيام بهذه الأنشطة “غير المشروعة” في المنطقة الاقتصادية الخاصة لقبرص.

وتؤكد قبرص أن أعمال الحفر التي تقوم بها تركيا تتعارض مع القانون الدولي وأن القرارات المتعلقة بالنفط والغاز قرارات سيادية خاصة بها. وطلبت نيقوسيا من الاتحاد الأوروبي اتخاذ إجراء بعد أن أرسلت تركيا سفينتين -وهما الفاتح وياووز- للتنقيب في المياه التي تعتبرها قبرص جزءا من منطقتها الاقتصادية الخالصة.

أنقرة لن تتراجع عن عمليات التنقيب ما لم يفرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عقوبات قاسية تؤذي اقتصادها

وردا على عمليات التنقيب التركية الأخيرة قام الاتحاد الأوروبي -الساعي إلى بديل عن روسيا لإمداده بالغاز- بإقرار عقوبات تشمل اقتطاع 145.8 مليون يورو (164 مليون دولار) من أموال صناديق أوروبية كانت ستوجه إلى تركيا عام 2020. كما شملت أيضا تعليق المحادثات الجارية بين تركيا والاتحاد بخصوص اتفاقية الطيران، وعدم عقد مجلس الشراكة، واجتماعات أخرى رفيعة المستوى تجري في إطار الحوار بين الاتحاد وتركيا.

ومع تواصل التصعيد التركي في الشرق الأوسط وتحديدا في السواحل القبرصية ذات الأهمية الإستراتيجية، أعربت البحرية الفرنسية عن استعدادها لمواجهة تركيا في قبرص.

وفي أعقاب قمة مع زعماء دول الاتحاد الأوروبي الواقعة على حدود البحر المتوسط الشهر الماضي، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تركيا إلى وقف ما وصفه بالتنقيب غير القانوني عن الغاز في المنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص. وتعهد ماكرون بألا يتهاون الاتحاد الأوروبي في هذه القضية.

ولقوات فرنسا البحرية تواجد دائم في شرقي المتوسط، وقد تزايد اهتمامها بقبرص في الآونة الأخيرة. ولدى فرنسا أكبر قوات مسلحة في أوروبا وثاني أقوى قوات مسلحة في حلف شمال الأطلسي.

وبدورها تنظر قبرص إلى فرنسا على أنها حليف موثوق به في الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد الانفصال البريطاني والضبابية بشأن موقف بريطانيا، في ظل زيادة التوترات مع تركيا، حسب تعبير منى سكرية، مستشارة المخاطر السياسية والمؤسس المشترك لمركز الآفاق الإستراتيجية للشرق الأوسط.

عقوبات خفيفة

سياسة تصادمية
سياسة تصادمية

يبدو أن العقوبات الأوروبية والتحذيرات الأممية لم تثن حكومة العدالة والتنمية عن مضيها في التنقيب عن الغاز بالقرب من السواحل القبرصية وخارج المياه الإقليمية التركية.

ومن دلائل إصرار الحكومة على المضي في عمليات التنقيب، قال نائب الرئيس التركي فؤاد أوقطاي، إن تركيا ستواصل أنشطة التنقيب شرقي المتوسط بالعزيمة ذاتها، ولن تتردد في ذلك.

جاء ذلك خلال كلمة ألقاها، الخميس، عقب اعتماد البرلمان التركي خطة التنمية الحادية عشرة للفترة 2019-2023 بحسب وكالة أنباء الأناضول. وأضاف أوقطاي ردًا على عقوبات الاتحاد الأوروبي حول الأنشطة التركية في شرقي المتوسط، أن تركيا لن تترك القبارصة الأتراك. وبذلك تصل أنقرة في تدخلاتها إلى نقطة حرجة تهدد علاقاتها مع الأوروبيين.

ورأى أستاذ التاريخ والعلوم السياسية في جامعة نيقوسيا هوبرت فوستمان “إنها لعبة (…) لا أحد فيها على استعداد للتنازل”. ويعتقد أن أنقرة “ستواصل التنقيب، بل قد تقرر التنقيب في المساحات التي منحت الحكومة القبرصية ترخيصا فيها” لشركات أوروبية وأميركية.

وقبرص مقسمة منذ أن اجتاح الجيش التركي ثلثها الشمالي عام 1974 ردا على انقلاب كان يهدف إلى إلحاق الجزيرة باليونان وأثار مخاوف الأقلية القبرصية التركية.

ولا تمارس جمهورية قبرص -العضو في الاتحاد الأوروبي- سلطتها سوى على القسم الجنوبي من الجزيرة، في حين أُعلنت في الشطر الشمالي “جمهورية شمال قبرص التركية” غير المعترف بها دوليا.

تجاهل القانون الدولي
تجاهل القانون الدولي

ولا ترتبط تركيا بعلاقات دبلوماسية مع الحكومة القبرصية المعترف بها دوليا كما أنها الدولة الوحيدة التي تعترف بتلك الدولة المنشقة في شمال الجزيرة. من جهتها، تؤكد أنقرة أنها غير ملزمة باتفاقات ترسيم الحدود البحرية بين الحكومة القبرصية ودول أخرى مطلة على البحر المتوسط، متمسكة بحقوقها في الجرف القاري التركي.

ويقول فوستمان إن “تركيا لن تتراجع (…) عقوبات الاتحاد الأوروبي خفيفة، غير مؤلمة، وتركيا تعلم جيدا أنه ليس لديهم أي رغبة في المواجهة”. بدورها ذكرت صحيفة كاثيميريني “الشعور في الأوساط الدبلوماسية (اليونانية) هو أن نية أردوغان تتمثل في خلق واقع في شرق البحر المتوسط يجعل من الصعب للغاية على أثينا ونيقوسيا تغييره”.

ويشير الخبير في مركز “اتلانتيك كاونسيل” للدراسات والعامل في قطاع المحروقات في قبرص تشارلز إيليناس إلى أن أنقرة “لن تتراجع ما لم يفرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عقوبات قاسية تؤذي اقتصادها”. لكنه يضيف “لا أعتقد أن هذا سيحصل؛ فحلف شمال الأطلسي والتجارة و(مسألة) المهاجرين، كلها ذات أهمية كبرى بالنسبة لهم”. ومن شأن هذا التوتر أن يعرقل أيضا عمل الشركات الأجنبية للتنقيب عن النفط.

واضطرت سفينة استأجرتها شركة “إيني” للقيام بعمليات تنقيب إلى العودة أدراجها في فبراير بعدما قطعت عليها الطريق سفن حربية تركية.

وقال المحلل في قطاع الطاقة ومؤسس مكتب “فيروساي” للدراسات سيريل ويدرشوفن “ثمة اهتمام حقيقي بعمليات (التنقيب)، حتى لو أن التوتر مع تركيا لا يساعد. وفي حال انتفائه، سيكون هناك اهتمام كبير، لأن هناك دعما من الأسواق ومن الاتحاد الأوروبي”.

عاصفة في فنجان

Thumbnail

اعتبرت قبرص الثلاثاء عرضا قبرصيا تركيا لتقاسم عائدات الطاقة “غير مقبول”. وترى نيقوسيا أن الإدارة المشتركة للغاز لن تكون ممكنة إلا بعد التوصل إلى اتفاق سلام يضمن حصول القبارصة الأتراك على حقوقهم.

وطلبت تركيا من شركات الطاقة عدم العمل مع الحكومة القبرصية وأرسلت سفنا للحفر قبالة الجزيرة المقسمة منذ عام 1974 إثر غزو تركي أعقب انقلابا عسكريا بإيعاز من اليونان.

لكن إيليناس قال إن “تركيا ستواصل عدوانها إلى أن توافق قبرص على طرح موضوع المحروقات على طاولة المفاوضات” في وقت وصلت فيه محادثات السلام إلى طريق مسدود. وفي هذه الأثناء، تطمح قبرص لجني عائدات طائلة من الغاز.

وفي يونيو، أعلنت السلطات أنها تتوقع عائدات مقدرة بـ8.2 مليار يورو خلال 18 عاما من استغلال حقل “أفروديت” (بلوك 12) للغاز بموجب عقد موقع مع شركات “شل” البريطانية الهولندية و”نوبل إينيرجي” الأميركية و”ديليك” الإسرائيلية.

وقد تصل أرباح قبرص الإجمالية إلى 15 مليار يورو على عشرين عاما بحسب إيليناس، “لكن ينبغي قبل ذلك ضمان المبيعات، وهذا تحد في سوق تتجه بشكل مؤكد نحو الطاقة النظيفة”.

وعلى قبرص العثور على المزيد من الغاز حتى تكون عمليات الاستخراج مربحة على الصعيد التجاري. ويستنتج فوستمان  “قد يكون الأمر مجرد عاصفة في فنجان إن لم يحصل اكتشاف كبير. ليست هناك في الوقت الحاضر كمية كافية من الغاز القابل للاستخراج”.

7