أردوغان يمعن في إدخال الاقتصاد وتركيا في طريق مسدود

الاثنين 2014/01/27

تزايدت المخاوف من انهيار واسع للاقتصاد التركي بسبب تسابق المستثمرين على سحب استثماراتهم من البلاد، في وقت يتكشف فيه حجم الفقاعة الكبيرة التي ولدتها الطموحات الجامحة لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.

ويمكن أن يعطي الانحدار المتسارع لليرة التركية، التي فقدت نحو 27 بالمئة من قيمتها في غضون 8 أشهر، انطباعا أوليا عن حجم الأزمة التي يمر بها الاقتصاد التركي.

وجاءت الضربات التي تلقاها الاقتصاد التركي من عدة محاور، أخطرها هو انكشاف أوراق الطموحات الإقليمية وإيديولوجية الإسلام السياسي لأردوغان، الذي عجل في انفجار الفقاعة التي كشفت الأسس الهشة التي بنيت عليها الطفرة الاقتصادية.

على مدى سنوات طويلة تمكن أردوغان من إخفاء طموحاته الاقليمية وإلايديولوجة، ودُقت له الكثير من الطبول في العالم العربي كنموذج للاقتصاد الإسلامي، رغم أنه لم يكن يعتمد أيا من ضوابط ومعايير الاقتصاد الإسلامي.

فالواقع أن أردوغان بنى طموحاته الجامحة على الاقتراض المفرط من رؤوس الأموال الأجنبية “الساخنة”، والتي بدأت تهجر البلاد بإيقاع جارف منذ لوح مجلس الاحتياطي الاتحادي بتقليص برنامج التحفيز النقدي في مايو الماضي، واتسعت هجرتها بدرجة فادحة بعد تفجر فضيحة الفساد منتصف الشهر الماضي.

وقبل أن نغرق في حجم الأزمة المالية التركية نعود الى السنوات التي أخفى فيها أردوغان طموحاته وعقيدته السياسية لتنفتح أمامه الأسواق العربية والعقود الباذخة في معظم البلدان العربية خاصة ليبيا وسوريا والعراق ودول الخليج.

وتمكن بالاقتراض المفرط من رؤوس الأموال المتدفقة من برامج التيسير النقدي العالمية وبفضل الأسواق العربية المفتوحة له، من تحقيق نمو اقتصادي كبير يخفي ارتفاعا كبيرا في عجز الموازنة والدين العام.

وبدأ التخبط المالي في عام 2011 بالتزامن مع بدء تركيا بفقدان الحلفاء الاقتصاديين في المنطقة مع تفجر أحداث الربيع العربي، التي عرت طموحات أردوغان السياسية وكشفت حماسه المفرط لحلفائه من أحزاب الاسلام السياسي وخاصة جماعة الإخوان المسلمين.

ومع فقدان الإخوان المسلمين لمصداقيتهم في معظم الدول العربية وظهور أنياب أردوغان بعد أحداث ليبيا ومصر وتونس وسوريا، بدأت الدول العربية بالابتعاد عن حكومة أردوغان وألغى بعضها العديد من العقود والاستثمارات الكبيرة مثلما فعلت الإمارات في عقود مشاريع الطاقة التي كانت تعتزم تنفيذها في تركيا.

وابتعدت عنه مصر بعد الاطاحة بحكومة الإخوان المسلمين وخسر السوق السوري وشريانه الحيوي الذي تمر عبره البضائع التركية الى الكثير من أسواق المنطقة، كما خسر علاقاته مع العراق.

ونتيجة ذلك انحسر النمو الاقتصادي، ولم يعد بإمكان أردوغان الوفاء بالتزامات الديون الكبيرة التي راكمها لتمويل طموحاته الاقتصادية والسياسية في المنطقة، فارتفعت نسبة التخلف عن سداد الالتزامات المستحقة الى أكثر من 10 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي وهي تبلغ حاليا أضعاف ذلك.

وجاءت الضربة الثانية بمجرد تلويح مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي بتقليص برنامج التحفيز النقدي منذ مايو الماضي، ما أدى الى نزوح جماعي للأموال الساخنة، وارتفعت تكلفة الاقتراض الى مستويات خطرة تفوق 10 بالمئة. تلتها الضربة الثالثة نتيجة تفجر فضيحة الفساد التي اسقطت ورقة التوت الأخيرة وكشفت توجهاته أمام الرأي العام المحلي والعالمي.

وسقطت الحكومة في حفرة عميقة، فهي مثقلة بالديون ومتخلفة عن سداد الكثير من الالتزامات وليس أمامها سوى الاقتراض بأسعار فائدة باهظة لمواصلة الحياة في وقت تتراجع فيه ثقة أسواق المال بها ويتواصل نزوح المستثمرين عن البلاد.

ويقدر الخبراء حجم الالتزامات المالية المستحقة على الحكومة التركية خلال العام الحالي بنحو 170 مليار دولار.

ومع تزايد عزوف المستثمرين عن شراء الأصول التركية، أصبح هبوط الليرة الى مستويات قياسية متدنية ظاهرة يومية منذ تفجر فضيحة الفساد منتصف الشهر الماضي.

وأصاب البنك المركزي منذ ذلك الحين الارهاق من كثرة التدخل لدعم الليرة التركية، مستخدما جانبا كبيرا من احتياطاته، إضافة الى الرفع المتواصل لأسعار الفائدة الأساسية التي بلغت 7.75 بالمئة، مقارنة بأسعار فائدة قريبة من الصفر في معظم البلدان المتقدمة.

خطورة المأزق الذي يمر به الاقتصاد التركي تكمن في أن مؤسسات الدولة لم تعد قادرة على مواجهة مكابرة أردوغان وإصراره النزق على أنه الوحيد الذي يعرف طريق الحق، وتدخله في قرارات البنك المركزي ومؤسسة القضاء، بعد أن تمكن قبل ذلك من تحجيم دور الجيش من خلال محاكمات فرضها على كل يعترض على صعود نفوذه.

وفي الأسبوع الماضي كان اجماع المحللين والمنطق الاقتصادي يتوقع أن يرفع البنك المركزي سعر الفائدة لكبح انحدار الليرة ومواجهة التضخم المتصاعد وتقليل النزوح الجارف لرؤوس الأموال من البلاد، لكنه رضخ لمنطق وإصرار أردوغان على التقليل من خطر اضطرابات أسواق المال التركية في الفترة الأخيرة.

لم تعد خطورة أردوغان تقتصر على الاقتصاد التركي بعد قمعه للاحتجاجات الشعبية وترويضه للقضاء والجيش، وأصبحنا نرى ملامح دكتاتورية جديدة تقابلها مصالح الاقتصاد والبلد باعتبارها أهم من بقاء أردوغان وبقاء حزب العدالة والتنمية (الإخوان المسلمين) في السلطة.

11