أردوغان يمول إمبراطورية إعلامية لخدمته من جيوب الأتراك

الحوارات والمناقشات بشأن التحقيق البرلماني ستكشف عن تفاصيل كيفية سيطرة الرئيس التركي ونخبته السياسية على وسائل الإعلام التركية، باستخدام الموارد العامة والتلاعب بالرأي العام.
الاثنين 2019/05/27
إعلام بيد السلطة

يسعى اقتراح من حزب المعارضة الرئيسي في تركيا إلى فتح تحقيق في استخدام المال العام لتمويل قطاع الإعلام، وإطلاع الرأي العام على كيفية بناء الرئيس رجب طيب أردوغان ودائرته المقربة إمبراطورية إعلامية، واستخدام شركاتهما الإعلامية والميزانية العامة لإسكات الأصوات المعارضة.

إسطنبول- اقترح أردوغان توبراك، النائب في إسطنبول عن حزب الشعب الجمهوري المعارض في تركيا، إجراء تحقيق برلماني في استخدام حكومة حزب العدالة والتنمية للموارد العامة في تمويل وسائل الإعلام الموالية لها.

وقال توبراك في اقتراحه “من الضروري أن يعرف الجمهور معايير الاختيار وسياسة الإعلان في ما يتعلق بدعم الخزينة العامة لوسائل الإعلام من خلال الإعلانات، وما المعايير التي تم اتباعها لتوزيعه، والكشف عن الحقائق المتعلقة بهذه الأمور”.

وستناقش الجمعية الوطنية الكبرى في تركيا اقتراح توبراك الثلاثاء، ومن المحتمل أن يتم رفضه بتصويت حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحليفه القومي اليميني المتطرف، حزب الحركة القومية.

ولكن بغض النظر عن ذلك، فإن الحوارات والمناقشات بشأن التحقيق البرلماني ستكشف على الأرجح عن تفاصيل كيفية سيطرة أردوغان ونخبته السياسية على وسائل الإعلام التركية، باستخدام الموارد العامة والتلاعب بالرأي العام لتحقيق مكاسب سياسية ومالية لدائرته.

وقام أردوغان بأكثر خطواته أهمية لبسط السيطرة على وسائل الإعلام في مارس 2018، عندما تم بيع مجموعة وسائل الإعلام الأكبر والأكثر نفوذا في تركيا، وهي شركة دوغان ميديا هولدينغ، لمجموعة شركات تركية مؤيدة للحكومة بمبلغ مليار دولار. بالإضافة إلى الصحيفتين اليوميتين حرييت وبوستا، تم نقل القناتين التلفزيونيتين “سي.أن.أن ترك” و”كانال دي” فضلاً عن منصة البث الرقمي “دي سمارت” والعديد من المجلات والمحطات الإذاعية إلى يلدريم ديميرورين، وهو مؤيد مخلص لأردوغان.

وسبق أن اشترى ديميرورين أيضا من مجموعة دوغان صحيفتي ميلليت ووطن اللتين كانتا تلتزمان بخط اجتماعي ديمقراطي. وأدت صفقة شراء ديميرورين لهذه المجموعة الضخمة من وسائل الإعلام، إلى وضع نهاية لأي استقلال في السياسة التحريرية في هذه المنافذ الإعلامية، تماما كما حول شراؤه في السابق صحيفتي ميلليت ووطن من العمل الديمقراطي الاجتماعي إلى العمل المؤيد لحكومة حزب العدالة والتنمية بين عشية وضحاها تقريبا.

وسهلت حكومة حزب العدالة والتنمية استيلاء أنصار أردوغان على المؤسسات الإعلامية المرموقة منذ أيامها الأولى في السلطة، وقد ساعدتها إلى حد كبير الأزمة الاقتصادية في عام 2001 التي أدت إلى إفلاس العديد من كبريات الشركات القابضة في البلاد والمنافذ الإعلامية المملوكة لها.

حكومة حزب العدالة والتنمية سهلت استيلاء أنصار أردوغان على المؤسسات الإعلامية المرموقة منذ أيامها الأولى في السلطة
حكومة حزب العدالة والتنمية سهلت استيلاء أنصار أردوغان على المؤسسات الإعلامية المرموقة منذ أيامها الأولى في السلطة

وقد تم تسليم هذه الشركات القابضة والبنوك إلى صندوق تأمين ودائع التوفير الذي تسيطر عليه الحكومة التركية بعد الانهيار، إلى جانب أصولها الإعلامية. وتحول صندوق تأمين ودائع التوفير إلى أكبر مجموعة إعلامية في تركيا، وربما في العالم. ومع صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002، خلق هذا الوجود الإعلامي في صندوق تأمين ودائع التوفير فرصة استثنائية لمشروع أردوغان المتمثل في إنشاء وسائل الإعلام الخاصة به وإسكات وسائل الإعلام المعارضة.

وتم بيع جزء كبير من وسائل الإعلام والصحف وقنوات التلفزيون المملوكة لصندوق تأمين ودائع التوفير دون مناقصة لرجال الأعمال والشركات القابضة في الدائرة المحيطة بأردوغان. وقامت البنوك العامة، مثل بنك زراعات وبنك وقف وبنك خلق، بتمويل هذه الصفقات عن طريق منح الائتمان للشركات ورؤساء الشركات المقربين من الحكومة. وأعطى بنك زراعات قرضا بقيمة مليار دولار لديميرورين لمدة ثلاث سنوات من أجل تمويل صفقة شراء مجموعة دوغان ميديا.

بدوره أصبح إيثام سانكاك، وهو عضو آخر في الدائرة السياسية المقربة لأردوغان، الرئيس الجديد لصحف ستار وأكسام وجونيس وقنوات “ستار تي.في”، و”سكاي” و”ترك تي.في”.

كما باع صندوق تأمين ودائع التوفير شركة “بي.أم.سي”، إحدى أكبر الشركات المصنعة للسيارات التجارية في تركيا، لسانكاك بعد أن واجه الملياردير التركي السابق محمد أمين كرم محمد مشكلة مالية أثناء الأزمة المصرفية عام 2001.

والصلات معروفة بين سانكاك مالك شركة “بي.أم.سي” وحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان. وسانكاك الآن عضو في المجلس التنفيذي لحزب العدالة والتنمية وقد شهدت أعماله التجارية نموا سريعا منذ أن تولى الحزب السلطة في عام 2002.

وعندما أفلس بنك ايتي الذي تديره الدولة في عام 2002، استحوذ صندوق تأمين ودائع التوفير أيضا على قناة “أي.تي.في” التلفزيونية وصحيفتي صباح وتاكفيم. وتم بيعها إلى أحمد جاليك مالك مجموعة جاليك، وهو رجل أعمال آخر معروف بعلاقاته الوثيقة مع أردوغان. وقدمت البنوك العامة، بمساعدة مستثمرين من قطر، الأموال لإتمام عملية الشراء.

وانسحب جاليك لاحقا من قطاع الإعلام بعد إجراء تحقيق في ديسمبر 2013 في فساد مزعوم من أردوغان ودائرته المقربة. وقام ببيع صحيفة صباح وتلفزيون “أي.تي.في” لمجموعة كاليون غروب، وهي تكتل آخر تفضله حكومة حزب العدالة والتنمية وقد نفذ مشاريع بناء ضخمة بما في ذلك المطار الثالث في إسطنبول.

قام أردوغان بأكثر خطواته أهمية لبسط السيطرة على وسائل الإعلام في مارس 2018، عندما تم بيع مجموعة وسائل الإعلام الأكبر والأكثر نفوذا في تركيا، وهي شركة دوغان ميديا هولدينغ

وتلت الخطوة الأخيرة نحو السيطرة الكاملة على وسائل الإعلام، محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016، والتي ألقت الحكومة التركية باللوم فيها على حركة غولن الدينية، واستخدمتها ذريعة لمصادرة الشركات التابعة لأعضاء مزعومين في حركة غولن وتسليمها إلى صندوق تأمين ودائع التوفير.

ووضعت 955 شركة وميزانيات الإعلان الخاصة بها في أيدي المسؤولين المعينين من قبل الحكومة. وكانت إحدى الخطوات الأولى تتمثل في طرد الصحافيين الذين ينتقدون حزب العدالة والتنمية.

ويقول اقتراح السياسي توبراك من حزب الشعب الجمهوري إن أردوغان ودائرته السياسية المقربة استخدما شركاتهما الإعلامية والميزانية العامة لإسكات الأصوات المعارضة وفرضا عليها “ضغوطا اقتصادية” من خلال تقليص مواردها الإعلانية للحفاظ على ميزانياتهما.

وأضاف توبراك أيضا أن بعض المؤسسات والشركات العامة مثل الخطوط الجوية التركية وشركة أناضولو جيت تشتري آلاف النسخ من الصحف المؤيدة للحكومة لتعزيز انتشارها، مما يساعدها على جني الأرباح من الإعلانات.

18