أردوغان ينهي آخر آمال إحياء المحادثات مع الأكراد

حرب أردوغان على الأكراد تتجه نحو مزيد من التعقيد في ظل إصرار قوي على إنهاء التمرد، وبذلك تتقلص فرص التوصل إلى استئناف محادثات السلام وتتعمق الأزمة بفرض أنقرة عزلة شديدة على زعيم الأكراد عبدالله أوجلان الذي يمتلك التأثير لكتم أصوات بنادق مسلحيه.
الخميس 2015/08/13
تحذيرات من عمليات انتقامية كردية داخل المدن

أنقرة - وعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس الأربعاء، بأن يواصل “بكل عزم” العمليات العسكرية ضد متمردي حزب العمال الكردستاني في بلده.

وقال الرئيس الإسلامي المحافظ في خطاب أمام أعضاء مجالس بلدية في قصره في أنقره أن "هذه العمليات ستتواصل وسنخوض هذا الكفاح بكل عزم”، مؤكدا من جديد أن عملية السلام التي بدأت في 2012 مع المتمردين الأكراد “مجمدة". وأكد أن قوات الأمن التركي ستقاتل المتمردين الأكراد حتى “يغادروا تركيا ويتخلون عن أسلحتهم".

وأضاف الرئيس التركي “حربنا سوف تستمر إلى أن يتوقف تهديد التنظيمات الإرهابية لبلدنا. إلى أن تُدفن البنادق المصوبة على بلدنا وشعبنا. أريد أن أؤكد ذلك هنا. وقف إطلاق النار لن يكون كافيا. يتعين إلقاء البنادق ودفنها. أُصر على ذلك. معركتنا ستستمر إلى أن يُقضى على جميع الإرهابيين في أراضينا وإلى أن يُصب الإسمنت على أسلحتهم".

وزاد الجيش التركي الضغط على المتشددين الأكراد بموجة جديدة من الغارات الجوية في جنوب شرق البلاد، بينما تبنى المتمردون المسؤولية عن تفجير مركز شرطة في إسطنبول.

وقال الجيش إن طائراته الحربية قصفت 17 هدفا للمقاتلين الأكراد في إطار تصعيد الهجوم ضد حزب العمال الكردستاني الذي يقاتل من أجل حكم ذاتي للأكراد منذ ثلاثة عقود. وكانت تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي بدأت ما أسمته “حربا متزامنة على الإرهاب” الشهر الماضي، فهاجمت مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا وكذلك -بوتيرة أقل- مقاتلي حزب العمال الكردستاني في شمال العراق.

وبالتركيز كثيرا على الحزب في العراق وداخل الأراضي التركية تثير أنقرة شكوكا بين الأكراد بأن أجندتها الحقيقية هي الحد من طموحات الأكراد وليس محاربة الإسلاميين المتشددين.

خطاب أردوغان ضد الأكراد يمثل تحولا كبيرا في نبرة الحديث مقارنة بالأيام الأولى لعملية السلام التي روج لها بشعارات

ويتهم منتقدون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمحاولة استغلال العنف لكسب تأييد وطني بعدما خسر في نتيجة مفاجئة في يونيو الماضي أغلبية برلمانية حظي بها حزبه العدالة والتنمية لسنوات.

ويمثل هذا الخطاب ضد الأكراد تحولا كبيرا في نبرة الحديث مقارنة بالأيام الأولى لعملية السلام التي روج لها أردوغان بشعارات منها "أوقفوا النزيف فلا نريد بكاء الأمهات".

وأثارت الوعود غير المنجزة وتنامي قوة المعارضة السياسية الكردية غضب القوميين وأرغمته على إعادة حساباته.

في موازاة ذلك يبدو أن الرجل الوحيد الذي قد يسهم في إخماد موجة تصاعد العنف في معقل الأكراد في جنوب شرق تركيا يزداد عجزا في سجنه بجزيرة معزولة في الوقت الذي تترنح فيه عملية السلام التي بدأت قبل ثلاثة أعوام على شفا الانهيار.

فقد كان عبدالله أوجلان -الذي رفع حزبه حزب العمال الكردستاني السلاح في وجه الدولة التركية عام 1984- الطرف الرئيسي الذي تعاملت معه أنقرة في محادثات بدأها الرئيس رجب طيب أردوغان عام 2012 في محاولة لإنهاء التمرد المسلح. غير أن صوته لم يعد مسموعا وسط قصف الطائرات الحربية التركية لمعسكرات حزب العمال الكردستاني في شمال العراق وتصعيد المسلحين الأكراد هجماتهم على جنود الجيش والشرطة في تركيا، الأمر الذي أفسد وقف إطلاق النار الذي دعا إليه أوجلان في مارس عام 2013.

فقد منعت الدولة ساسة المعارضة المؤيدين للأكراد -الذين عملوا كوسطاء في المحادثات- من زيارة زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون بجزيرة إمرالي في بحر مرمرة، وذلك منذ ما قبل الانتخابات البرلمانية التي جرت في يونيو الماضي.

ويقول مسؤولون حكوميون كبار إن تعهدات أوجلان خلال عملية السلام لم تتحقق وأبرزها انسحاب مقاتلي حزب العمال من قواعدهم في شمال العراق وإن أوجلان ليس له دور يلعبه إلى أن تتحقق تلك الوعود.

رجب طيب أردوغان: المعركة ستستمر إلى أن يُقضى على جميع الإرهابيين في أراضينا

وقال جاريت جنكينز الكاتب والباحث المخضرم في قضايا الأكراد بتركيا “إذا خرج الأمر عن السيطرة فلن تتمكن الدولة التركية ولا حزب العمال الكردستاني من إعادته إلى القمقم. وهذا هو مصدر الخوف”.

وقال أردوغان -الذي تحدى غضب القوميين بإطلاق المفاوضات مع حزب العمال قبل ثلاثة أعوام- إن عملية السلام أصبحت مستحيلة غير أن الأمر لم يصل به إلى حد إعلان انتهائها.

وفي بيان صدر، الإثنين، دعت جماعة تمثل غطاء سياسيا لحزب العمال إلى التعجيل باستئناف المحادثات بين الدولة وأوجلان، لكنها اشترطت الإفراج عن المسجونين السياسيين وتدعيم وقف إطلاق النار. ومن المستبعد فيما يبدو أن تنفذ أنقره هذين الشرطين.

وقال مسؤول حكومي رفيع مطلع على مساعي السلام إن أوجلان طرف في عملية السلام، لكن يتعين على حزب العمال الكردستاني وحزب الشعوب الديمقراطي الذي يمثل المعارضة المؤيدة للأكراد تحقيق وعودهما من أجل السماح له بالتدخل. وأضاف “الجماعة لم تفعل ما أراده أوجلان”.

ورغم أن أوجلان مازال الزعيم المعترف به بين المقاتلين الأساسيين في حزب العمال الكردستاني، فقد أدت سنوات العزلة إلى تآكل نفوذه في الشؤون اليومية. وقد ظلت القيادة الميدانية لحزب العمال أكثر تشددا فيما يتعلق بعملية السلام بينما برز دور جماعات شبابية تنظر بقدر أقل من الاحترام لسلطة أوجلان، ومن المعتقد أن هذه الجماعات تقف وراء جانب كبير من العنف الأخير.

وقال جوناثان فريدمان محلل شؤون تركيا لدى ستروتس فريدبرج وهي شركة لاستشارات المخاطر العالمية “أجهزة الأمن التركية عزلت أوجلان. ونتيجة لذلك لم يتمكن من التمتع بنفوذ كبير خلال تفجر الصراع الأخير”.

رغم أنه لا مصلحة لأي من الطرفين في العودة إلى الحرب الشاملة فلا توجد أيضا حوافز كبيرة تحملهما على قبول هدنة فورية.

فقد بلغ غضب الشبان الأكراد مع تجدد العنف مبلغا يجعل التراجع الآن ضربا مستحيلا. أما أردوغان ففي ذهنه طموحات سياسية.

5