أردوغان يواجه معارضة موحدة في أصعب المنافسات الانتخابية

الرئيس التركي يخوض انتخابات تنطوي على تحديات كبرى في مواجهة أوضاع اقتصادية في تراجع ومعارضة مصممة على وقف سباقه لتوسيع سلطاته.
الأحد 2018/06/24
أكبر تحد انتخابي لإردوغان

اسطنبول - بدأ الأتراك الإدلاء بأصواتهم الأحد في انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة تنطوي على مخاطر كبرى للرئيس رجب طيب إردوغان في مواجهة أوضاع اقتصادية في تراجع ومعارضة مصممة على وقف سباقه لتوسيع سلطاته.

وفرض إردوغان نفسه منذ إمساك حزب العدالة والتنمية الذي يقوده بالسلطة عام 2002، كأقوى زعيم تركي بعد مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك، فحول وجه البلاد من خلال مشاريع بنى تحتية ضخمة وإصلاحات اجتماعية.

غير أن منتقدي "الريس" البالغ من العمر 64 عاما يتهمونه بالتسلط، وخصوصا بعد محاولة الانقلاب في تموز 2016 والتي تلتها حملة قمع بالغة الصرامة ضد المعارضين والصحافيين، ما أدى إلى توتر العلاقات بين أنقرة والغرب.

ودعي حوالي 56 مليون ناخب للتصويت الأحد في هذه الانتخابات الرئاسية والتشريعية البالغة الأهمية إذ ستشكل نقطة انتقال من النظام البرلماني الساري حاليا إلى نظام رئاسي يمنح الرئيس سلطات واسعة، وهو نظام دفع إردوغان باتجاهه غير أنه يلقى تنديدا من معارضيه.

وقال محمد يلدريم وهو عامل نظافة في اسطنبول يبلغ من العمر 48 عاما “يجب أن يستمر الاستقرار ويمكن لهذا أن يحدث مع إردوغان لذلك انتخبته… أرى أيضا أننا مع إردوغان نقف أقوى في وجه الغرب”.

وكان إردوغان يعتقد أن الحظوظ كلها لصالحه حين دعا إلى هذه الانتخابات المبكرة قبل عام ونصف من موعدها في ظل حال الطوارئ المفروضة في البلاد، غير أن تدهور الوضع الاقتصادي أرخى بظله على مسار الحملة، كما واجه الرئيس انتفاضة لم يكن يتوقعها من المعارضة.

وعقدت أحزاب معارضة متباعدة النهج مثل حزب الشعب الجمهوري (اشتراكي ديموقراطي) و"حزب الخير" (يمين قومي) و"حزب السعادة" (إسلامي محافظ) تحالفا "معاديا لإردوغان" غير مسبوق لخوض الانتخابات التشريعية، بدعم من حزب الشعوب الديموقراطي المؤيد للقضية الكردية، معتبرة هذه الانتخابات الفرصة الأخيرة لوقف اندفاعة إردوغان لحيازة صلاحيات مطلقة.

وتمكن مرشح حزب الشعب الجمهوري محرم إينجه من فرض نفسه في موقع المنافس الرئيسي لإردوغان في الانتخابات الرئاسية، مستقطبا مئات آلاف الأنصار في تجمعات انتخابية هائلة بدت أشبه بعرض قوة. وقال إينجه إنه يعتزم التوجه الأحد إلى مقر اللجنة العليا للانتخابات في العاصمة أنقرة، للوقوف على سير العملية الانتخابية. وأعرب إينجه عقب إدلائه بصوته الانتخابي في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أحد المراكز الانتخابية بمدينة يالوفا (غرب)، عن ثقته بالفوز. 

وقد تحولت الحملة الانتخابية إلى مواجهة محتدمة بين الخطيبين اللذين يتمتعان بكاريزما قوية، واستمرت المبارزة بينهما حتى اللحظة الأخيرة إذ عقدا مهرجانات ضخمة السبت في اسطنبول، سخر إردوغان خلالها من إينجه باعتباره يفتقر إلى "الخبرة" فيما وعد خصمه بقيام "تركيا مختلفة".

فيما وعد إينجه خلال كلمة أمام حشد في اسطنبول السبت حضره ما لا يقل عن مليون شخص وربما أكثر بإنهاء ما يصفه هو وأحزاب المعارضة توجه تركيا نحو الحكم الاستبدادي في ظل إردوغان.

وقال "لو فاز إردوغان سيستمر التنصت على هواتفكم.. وسيستمر الخوف سائدا.. إذا نجح أنجه ستكون المحاكم مستقلة" وأضاف إنه سيرفع حالة الطوارئ السائدة في تركيا في غضون 48 ساعة من انتخابه.

اينجه شحذ همم المعارضة التركية المقسمة
اينجه شحذ همم المعارضة التركية المقسمة

إن كان إردوغان يبقى في طليعة الترجيحات للفوز بولاية رئاسية جديدة، إلا أنه من غير المؤكد أن يحصد الأحد أكثر من 50% من الاصوات، وهي النسبة الضرورية التي تجنبه الانتقال إلى دورة ثانية تجري في 8 تموز.

ولا يستبعد المراقبون أن ينجح تحالف المعارضة في حرمان حزب العدالة والتنمية من غالبيته البرلمانية، ما سيدخل تركيا في المجهول في وقت تواجه وضعا اقتصاديا صعبا.

فالاقتصاد الذي شكل لفترة طويلة ورقة رابحة بيد حزب العدالة والتنمية، بات في طليعة المخاوف مع انهيار الليرة التركية ونسبة تضخم زادت عن 10%، ما انعكس على أحوال الأتراك المعيشية.

وبدا إردوغان في أوقات كثيرة من الحملة في موقع دفاعي، فقدم وعودا كثيرة مثل رفع حال الطوارئ سريعا وتسريع عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، إنما فقط بعدما سبقه إينجه إلى قطع هذه الوعود.

وحالة الطوارئ مفروضة في تركيا منذ ما يقرب من عامين وأعلنت بعد انقلاب فاشل في يوليو 2016. وتتيح الطوارئ للسلطات تقييد بعض الحريات الشخصية وتسمح لها بإصدار قرارات دون الرجوع للبرلمان.

ويلقي إردوغان باللوم في التخطيط لمحاولة الانقلاب على رجل الدين فتح الله غولن، حليفه السابق المقيم في الولايات المتحدة، ثم أطلق حملة ضد أتباع غولن في تركيا. وتقول الأمم المتحدة إن السلطات اعتقلت نحو 160 ألفا وإن عددا أكبر من ذلك بكثير، منهم معلمون وقضاة وجنود، جرى فصلهم.

ويقول منتقدو الرئيس، ومنهم الاتحاد الأوروبي الذي تطمح تركيا في عضويته، إن إردوغان استغل الحملة في التضييق على المعارضة. ولا تتعرض الحكومة التركية لأي انتقاد صريح سوى من عدد قليل من الصحف ووسائل الإعلام وحظيت الحملة الانتخابية لإردوغان بتغطية واسعة مقارنة بباقي المرشحين للرئاسة.

وقالت ناخبة تدعى سيما (50 عاما) بعد أن أدلت بصوتها في اسطنبول "لم تعد هذه تركيا التي نريدها. تُنتهك الحقوق والديمقراطية في حالة مزرية".

وأضافت أنها انتخبت حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد حتى يتمكن من تجاوز نسبة العشرة بالمئة اللازمة لدخول البرلمان. وإذا دخل الحزب البرلمان فسيكون من الصعب على حزب العدالة والتنمية التمتع بالأغلبية.

Thumbnail

كما ركز معارضو إردوغان حملتهم ضد النظام الرئاسي الذي سترسيه هذه الانتخابات بعد الموافقة عليه في استفتاء موضع جدل حول الدستور جرى في أبريل 2017 وفاز فيه الرئيس.

وهذا التحول ضروري بنظر إردوغان لمنح البلاد سلطة تنفيذية قوية ومستقرة، لكن معارضيه يتهمونه بالسعي لاحتكار السلطة بهذا التعديل الذي ينص من جملة ما ينص عليه على إلغاء وظيفة رئيس الوزراء ويمنح الرئيس القدرة على ممارسة السلطة بموجب مراسيم.

لكن يبقى السؤال مطروحا عما إذا كانت حججهم وصلت إلى آذان الأتراك في جميع أنحاء البلاد، في ظل تغطية إعلامية للحملة غير متوازنة إطلاقا لصالح الرئيس.

واضطر مرشح حزب الشعوب الديموقراطي صلاح الدين دميرطاش الذي كان في ما مضى ينافس أردوغان على المنابر، إلى خوض حملته انطلاقا من زنزانته في السجن حيث يقبع منذ نوفمبر 2016 عند وضعه قيد التوقيف الاحترازي لاتهامه بممارسة أنشطة "إرهابية".

وسيكون التصويت الكردي من العوامل الحاسمة في هذه الانتخابات المزدوجة، فإن نجح حزب الشعب الجمهوري في تخطي عتبة 10% من الأصوات الضرورية للدخول إلى البرلمان، فقد يخسر الحزب الرئاسي عندها غالبيته البرلمانية.

وعبأت المعارضة جيشا حقيقيا من المراقبين للإشراف على صناديق الاقتراع ولا سيما في جنوب شرق البلاد حيث غالبية من الأكراد، خشية حصول عمليات تزوير قد ترجح الكفة لإردوغان.