أردوغان يوشح 100 يوم من رئاسته بتكريس الانقسام بين الأتراك

الجمعة 2014/12/05
أردوغان يعمل على تثبيت قبضته على البلاد عبر تقسيم الشارع التركي، خلافا لتعهداته قبل الفوز بالرئاسة

إسطنبول – كثيرا ما عبّر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، علنا عن غضبه من الغرب ومن إسرائيل، ونقده الشديد لنظام بشار الأسد، وأكّد أنّه سيحقق السلام الدائم مع أكراد تركيا لإنهاء عقود من الصراع الدامي في البلاد، غير أنّ ما تعهّد به عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية، في أغسطس الماضي، لم يجد طريقه إلى التنفيذ، مُتناسيا ما قاله آنذاك لدى مخاطبته خصومه: “دعونا نطوي الخلافات القديمة ونتركها في تركيا القديمة”.

أكّد عدد من الخبراء أنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فشل في الإيفاء بتعهداته بتوحيد الأتراك، وذلك بعد مرور 100 يوم على انتخابه رئيسا لما يُسمّيها بـ”تركيا الجديدة”.

وأوضحوا أنّ أردوغان الذي يُمضي، اليوم الجمعة، 100 يوم على كرسي الرئاسة قد أضاع الكثير من رصيده الدولي خارجيّا، بالنظر إلى مناصرته للتيّارات الإخوانية والإسلاميّة المتشدّدة عموما، فضلا عن أن بلاده ظلّت منقسمة على خلاف ما تعهّد به.

وكانت تصريحات أردوغان، المتعالية غالبا، قد تسبّبت أكثر من مرّة في جلب سخرية المراقبين وإثارة القلق لدى حلفائه في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، حيث اتهم أردوغان الغرب قبل أيام من زيارة بابا الفاتيكان، فرنسيس الأوّل، تركيا بأنه يريد استغلال المسلمين وقال: “يبدون في الظاهر أصدقاء لنا ولكنهم يفرحون بموتنا وبموت أطفالنا”.

ووجّهت منظمات حقوق الإنسان انتقادات شديدة إلى أردوغان، لاسيما بالنظر إلى نظرته الدونيّة إلى المرأة، فقد نصح الرئيس التركي النساء في بلاده بالتركيز على دورهنّ كأمهات، قائلا في مؤتمر حول حقوق المرأة انعقد بإسطنبول إنّ المساواة بين الرجال والنساء في عالم العمل “ضد الطبيعة البشرية”.

وشكّك مراقبون في حقيقة مساعي أردوغان إلى تحقيق السلام الداخلي مع الأكراد، لاسيما أنّه لم يتردّد في وصفهم بالإرهابيين في مرّات عدّة.

وفي هذا السياق، شبه أردوغان حزب العمال الكردستاني المحظور ومقاتليه الأكراد في مدينة عين العرب (كوباني) بمقاتلي مليشيات تنظيم الدولة الإسلامية رغم أنه يسعى في الوقت ذاته إلى تحقيق السلام مع الحزب الكردستاني.

السياسة المتناقضة لأردوغان أربكت حلفاءه وكشفت زيف وعوده بشأن السلام الداخلي

يُذكر أنّ مسيرة السلام الداخلي في تركيا انطلقت قبل نحو عامين، من خلال مفاوضات غير مباشرةبين الحكومة التركية و”عبد الله أوجلان” زعيم منظمة “بي.كا.كا” المسجون مدى الحياة في جزيرة “إمرالي” ببحر مرمرة منذ عام 1999، وذلك بوساطة ممثلين عن جهاز الاستخبارات التركي وحزب الشعوب الديمقراطي (حزب السلام والديمقراطية سابقا) المشكل من غالبية كردية.

كما جلبت تركيا “الأردوغانية” الكثير من الانتقادات الدولية على نفسها بسبب دورها في عين العرب (كوباني) ممّا أثار شكوكا في مدى قدرتها كدولة حليفة وعضو بالناتو، حيث لم يستبعد أردوغان في البداية أي عمل عسكري ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، ثم تخلى عن هذا الخيار فيما بعد.

ودفع الجيش التركي بمدرعات على الحدود التركية مع عين العرب (كوباني)، ولكنه لم يتدخل عندما تعرّضت المدينة لخطر السقوط في أيدي مليشيات التنظيم المتطرّف. فقد رفض أردوغان السماح للأكراد السوريين بالمرور عبر تركيا لتعزيز المقاتلين في كوباني، في حين سمح بضغط من الولايات المتحدة وبعد تردّد طويل لقوات البيشمركة التركية في شمال العراق بالمرور عبر تركيا إلى كوباني.

وترفض تركيا حتى الآن السماح لقوات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلاميّة باستخدام القواعد العسكرية التركية مثل قاعدة إنجرليك الجوية لشن غارات على التنظيم المتطرف.

ومع ذلك فقد نجح أردوغان، عبر سياسته المتناقضة، في إرباك جميع الأطراف المعنية بدءا من الولايات المتحدة والناتو ثم الأكراد في سورية وتركيا، حيث وقعت اشتباكات أثناء احتجاجات كردية خلفت أكثر من 40 قتيلا.

وبينما يوزّع انتقاداته ضد خصوم “مزعومين” في الخارج، قد ترك أردوغان الساحة الداخلية لخليفته في منصب رئيس الوزراء، أحمد داوود أوغلو.

ورغم أن أوغلو يتولى رسميا رئاسة الحكومة ورئاسة “حزب العدالة والتنمية” فإنّ أردوغان دأب على التأكيد على أن الرئيس هو الذي يحدد السياسة في تركيا، وهي سياسة يرى العديد من المراقبين أنّها سارت في اتجاه الاستبداد حيث تعتزم الحكومة إقرار حزمة من القوانين تسمح باستخدام القسوة ضد المتظاهرين المنتقدين لحكمه.

وتتضمّن مسودة القوانين الجاهزة، مادة في قانون الجنسية تطالب بالتأكد من “الأخلاق العامة” للرجال والنساء الذين يريدون الحصول على الجنسية التركية بعد زواجهم بشريك تركي.

وكانت المحكمة الدستورية العليا قد رفضت، في أكتوبر الماضي، السماح للحكومة بتشديد قواعد استخدام الإنترنت في تركيا.

وفي الوقت ذاته تستمر أسلمة تركيا بشكل تدريجي وغير ملحوظ، حيث ارتفع عدد تلاميذ المدارس الثانوية ذات الصبغة الدينية بواقع النصف خلال نحو عام فقط حسب تقرير لصحيفة “طرف” التركية.

ورغم أن انتهاء فترة ازدهار الاقتصاد التركي الذي قد يُهدّد عرش الرئيس الجديد، فقد وضع أردوغان لنفسه هدفا بعيد المدى يكمن حسب عدد من الخبراء في قيادة تركيا في عيد ميلادها المئة الذي سيحل عام 2023.

5