أردوغان يُخضع القضاء للتنكيل بخصومه

الرئيس التركي يطوّع 16 قاضيا للنظر في قضية انتهت بإدانة سياسيتين كرديتين بالانتماء إلى تنظيم إرهابي.
الخميس 2020/05/07
أنقرة لا تعترف إلا بسياسة تكميم الأفواه

إسطنبول – يواصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تطويعه للقضاء بهدف ضرب خصومه الذين لم يقدر على مواجهتهم بوسائل ديمقراطية وعبر صناديق الاقتراع.

وقالت وكالة رويترز نقلا عن مصادر تركية الأربعاء إن 16 قاضيا تعاقبوا على قضية انتهت بإدانة السياسيتين الكرديتين جولتان كشاناك وصباحات تونجل بالانتماء إلى تنظيم إرهابي في العام الماضي. واختتمت المحاكمة في ديار بكر، وهي أكبر مدن جنوب شرق تركيا، حيث يمثل الأكراد فيها غالبية، في نحو عشر جلسات لكن القضاة كانوا يتغيرون باستمرار خلال هذه الجلسات.

ولم تنقل المرأتان اللتان تصران على براءتهما إلى قاعة المحكمة إلا مرة واحدة في جلسة النطق بحكم الإدانة. وقال محاميهما جيهان أيدن إن الترافع من خلال دفاع سليم عنهما كان مستحيلا لأنه لم يكن يعرف من سينطق بالحكم. وقد تم تبديل القضاة دون تفسير وأغلبهم شباب بلا خبرة. وقال أيدن المحامي الحقوقي، رئيس نقابة المحامين المحلية، “رئيس هيئة المحكمة تغير أربع مرات أيضا. وفي كل جلسة كانت هناك مجموعة من القضاة الجدد. وفي كل مرة كنا نضطر لبدء الدفاع من البداية”. وقلبت هذه البلبلة الإجراءات رأسا على عقب.

وأصبحت تهم الإرهاب شائعة في تركيا لاسيما منذ محاولة الانقلاب التي نفذها بعض عناصر الجيش للإطاحة بأردوغان عام 2016. وأعقبت المحاولة الفاشلة حملة اعتقالات جماعية.

خصوم أردوغان يقولون إن القضاء اُستخدم في عهده كهراوة سياسية وتعرض للتجريف بدرجة غير مسبوقة

وقال أكثر من عشرة محامين ومصادر قانونية أخرى إن أسلوب تغيير القضاة خلال المحاكمات شاع أيضا على نحو متزايد. ويقول مسؤولون أتراك إن هذه التغييرات روتينية فحسب ترجع لأسباب صحية أو إدارية. ويقول محامون إنهم مقتنعون بأنها أسلوب تتحكم من خلاله الحكومة في المحاكم.

وقال محمد يلماز نائب رئيس مجلس القضاة والمدعين، وهو الهيئة التي تتولى تعيين المسؤولين في مجال القانون، إن النظام القانوني في تركيا “ليس مختلفا عن أي بلد في العالم”.

ويستخدم القضاء كأداة لدعم البرامج السياسية في تركيا منذ عشرات السنين. ويقول خصوم أردوغان إن القضاء استخدم في عهده كهراوة سياسية وتعرض للتجريف بدرجة غير مسبوقة.

وفي ظل حملة التطهير التي شنها أردوغان تم عزل الآلاف من القضاة والمدعين وفق بيانات الحكومة نفسها. وحل محلهم قضاة جدد لا يمتلكون الخبرة وغير مؤهلين للتعامل مع الزيادة الكبيرة في أعباء العمل من جراء القضايا المرتبطة بمحاولة الانقلاب.

وقال النائب زين العمري من حزب الشعب الجمهوري وهو حزب المعارضة الرئيسي في البلاد “نحن لا ندعي أن القضاء كان مستقلا عن الحكومات من قبل. لكن لا مثيل لفترة كهذه تلوّح فيها الحكومة بالقضاء كسيف مسلط على السياسة ولاسيما المعارضة”. وعند القبض على كشاناك وتونجل في 2016، كانت الاثنتان من الشخصيات البارزة في الحملة التي تشنها الأقلية الكردية منذ عشرات السنين من أجل المساواة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وكانت الصحافية السابقة كشاناك (58 عاما) قد انتخبت قبل فترة قصيرة رئيسة لبلدية ديار بكر، أما تونجل (44 عاما) النائبة في البرلمان فكانت تمثل دائرة في إسطنبول. وحكم عليهما بالسجن 14 و15 عاما على الترتيب لنشرهما دعاية إرهابية والانتماء لحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا والذي تصنفه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ضمن المنظمات الإرهابية. ونفت الاثنتان الاتهامات. وقال محمد دراق أوغلو رئيس نقابة المحامين في إسطنبول إن حكومة أردوغان حققت من خلال استخدام القضاء كأداة ضد خصومها “ما لم تستطع إنجازه بالوسائل السياسية” عبر صندوق الانتخابات.

قمع الأصوات الحرّة
قمع الأصوات الحرّة

وترد الحكومة بالقول إن نظامها القانوني متقدم مثل أي دولة غربية وإن التهديدات الموجهة لأمنها الوطني تستلزم قوانين صارمة لمكافحة الإرهاب.

وشهدت السنين تحديات لحكمه. ففي 2013 خرج مئات الآلاف إلى الشوارع للاحتجاج على السياسات التي اعتبروها تحكمية. وكانت الشرارة خطة حكومية لإقامة حديقة صغيرة في وسط إسطنبول. وبعد عامين انهارت محادثات بين الحكومة وحزب العمال الكردستاني الذي يشن حملة انفصالية منذ عشرات السنين. وفي يوليو 2016 وقعت محاولة الانقلاب وفي كل مرة كانت السلطات ترد بحملة أخرى. وحمّل أردوغان الداعية فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة مسؤولية تدبير محاولة الانقلاب وشرع في تطهير أنصاره ممن يعملون في الدولة. وينفي غولن تورطه في العملية. ومنذ هذه المحاولة تجاوز عدد الذين تقرر عزلهم من مناصبهم الـ91 ألفا. وقد أدت حملة التطهير إلى تجريف النظام القضائي التركي بل إن ذلك حدث في وقت تزايدت فيه أعباء القضايا بشدة. وقال وزير العدل عبدالحميد جول للبرلمان، إن عدد القضاة والمدعين الذين عزلوا من مناصبهم بحلول نوفمبر الماضي بلغ 3926 يقبع أكثر من 500 منهم في السجون.

ومن جانبه يقول حزب الشعوب الديمقراطي إن ألوفا من أعضائه وأنصاره اعتقلوا أو سجنوا منذ انهيار محادثات السلام بين السلطات التركية وحزب العمال الكردستاني. ومن بين هؤلاء صلاح الدين دميرطاش المسجون منذ 2016 بتهمة الإرهاب.

كما واجه محامون يدافعون عن أنصار حزب الشعوب الديمقراطي المحاكمة في 2017. وقال أيدن رئيس نقابة المحامين في ديار بكر إن غرامة فرضت عليه لتعطيله سير الإجراءات في المحكمة.

وترجع الشكوى إلى العام 2012 عندما انسحب أيدن ومحامون آخرون من محاكمة جماعية لناشطين أكراد متهمين بالانتماء لحزب العمال الكردستاني. كان أيدن وزملاؤه يحتجون على قرار المحكمة طرد موكليهم من قاعة المحاكمة. ولم يتم تفعيل الدعوى على أيدن إلا بعد خمس سنوات. وامتدت المحاكمات لتشمل أساتذة الجامعات، وتمت إدانة ما يقرب من 50 أستاذا جامعيا بنشر الدعاية الإرهابية لتوقيعهم التماسا في 2016 يطالبون فيه بإنهاء الصراع مع المسلحين الأكراد.

وألغت المحكمة الدستورية الأحكام في العام الماضي وقضت بأن المحاكمات انتهكت حق الأساتذة في حرية التعبير. وبعد أيام من صدور الحكم أصدرت المحكمة بيانا ردت على انتقادات لقرارها من بعض الساسة ووسائل الإعلام قالت فيه إن الحكم “لا يعني أن المحكمة الدستورية تشاركهم الآراء ذاتها أو تدعم تلك الآراء”. وفي رده على اتهام موكله بالتدخل في القضاء قال حسين أيدن محامي أردوغان إن محاكمات الانقلاب تتوفر فيها “أكثر الإجراءات القانونية إنصافا في تاريخ تركيا الحديث”.

5