"أرزة تشرين" رواية بصرية عن ثورة شعبية لم تكتمل

الرواية البصرية توثيق سينمائي للحراك اللبناني على إيقاع موسيقى الراب.
الجمعة 2021/03/26
رؤية سينمائية للثورة اللبنانية على وقع ثقافة الهيب هوب

من موسيقى الراب وثقافة الهيب هوب، وتقديمهما في إطار سينمائي إلى رصد تفاصيل ثورة 17 أكتوبر في لبنان، هكذا ينقلنا سليم صعب الفنان والمخرج اللبناني نحو فيلمه الأحدث “أرزة تشرين” الذي يقدّم حكاية سينمائية عن ثورة شعبية لم تكتمل.

تبدو العلاقة جدلية وحارة بين السينما والحياة، خاصة عندما يتعلّق الأمر بلحظات مصيرية تخصّ الشعوب والدول. فتحضر السينما لرصد الحدث من وجهة نظر معينة وتسجّله عبر إبداع سينمائي محدد ليكون وثيقة تاريخية لأجيال قادمة.

والكثير من لحظات الحياة الحاسمة أمكن للناس مشاهدتها عن طريق السينما الوثائقية، كما في عدسات الكاميرا الفوتوغرافية التي تلتقط مشاهد خالدة عن هدم جدار برلين أو اقتحام برلمانات أو صور عن مشاهد حربية واقعية مثل بيل هاربر وغيرها.

والتاريخ كتب أن فن السينما ولد وثائقيا، فسجّل لحظات وصول قطار أو خروج عمال من المصنع، ودائما كانت السينما الوثائقية (التسجيلية) منبرا هاما للعديد من المخرجين العالميين للبوح بهموم وإشكالات عديدة تخصّ قيم الإنسان ومفاهيمه وقضاياه.

تلاقي الأضداد

عدسة ناقلة للحراك الشعبي وناقدة للفساد المستشري
عدسة ناقلة للحراك الشعبي وناقدة للفساد المستشري

الحروب والثورات كانت منجما خصبا للكثير من السينمائيين لكي يقوموا بإنتاج أفلام عنها، وفيلم “أرزة تشرين” اللبناني للمخرج سليم صعب يدخل ضمن هذا الإطار. فهو يروي عبر 58 دقيقة وثائقية أحداثا في حياة الثورة الشعبية في لبنان عام 2019، والتي تناولت رموز السلطة السياسية والمالية حينها وطالبتها بالإصلاح.

البداية كانت في السابع عشر من شهر أكتوبر الذي انطلقت فيه الاحتجاجات الشعبية التي طالبت بالتغيير، وسط موجة عاصفة من الغضب الشعبي الذي وصلت طموحاته إلى جدار مسدود.

“أرزة تشرين” فيلم عاش بين المتظاهرين، سجّل لحظات هتاف وصيحات غضب ونصر، التحم مع أشخاص كانوا ضمن هؤلاء نزلوا إلى الشارع لكي يعبّروا عن رأيهم في ما يحدث. واستعرض في دقائقه شهادات لقطاعات مختلفة من المشاركين منهم فنانون وعاملون في القطاع الصحي وصحافيون وأصحاب رأي في حقوق المرأة.

سليم صعب: أردت للمشاهد أن يعيش الثورة كما حدثت في بيروت وطرابلس

مخرج الفيلم صعب اختار أن يكون صادق العاطفة، فبدت مصداقيته من خلال اللقطة البعيدة عن التزينات الضوئية وصناعة كوادر مشتغل عليها بلغة سينمائية خاصة، وهذا ما أكسب الفيلم حيوية ورشاقة انعكستا على تلقائيته التي أوصلت للمتلقي حرارة وصدق ما كان يحدث أثناء المظاهرات.

وعن ذلك يقول “صوّرت في الفيلم الثورة كما عشتها وبطريقة عفوية وعلى التوازي مع ذلك كان هنالك جانب فني قوي في الفيلم، حاولت تقديم شيء حقيقي عن هذه الثورة، و70 في المئة ممّا صوّرته كان خلال المظاهرات ذاتها، لأنني أردت للمشاهد أن يعيش الثورة كما حدثت وبالتفاصيل التي كانت عليها حتى في أصغر الأمور”.

وسجل الفيلم وقائع ترجمت توق الشباب اللبناني إلى التغيير والانطلاق نحو فضاءات جديدة وبعيدة تحقّق أحلامهم التي تفترسها أضراس الفساد السياسي والمالي. فرصد العديد من الفنانين وهم يقومون بالرسم على أمكنة مدمّرة أو محترقة ليساهموا في صنع الجمال على أنقاض التشوّهات والتلوّث البصري الموجود أصلا.

كما دمج بفكرة ذكية موسيقى الراب مع الناي في أحد المقاطع في إشارة إلى إمكانية تلاقي الأضداد طالما كانت مصلحة الوطن هي الغاية النهائية. وفي أتون هذه الفوضى من الدمار وصناعة الجمال ومع وجود شباب من كل الاتجاهات العرقية والمذهبية والسياسية يقدّم أحدهم شهادة، فيقول “اليوم انتهت الحرب الأهلية”، وهو الحلم الأبعد لكل الشعب اللبناني.

80 ساعة تصوير

محاولة لصنع الجمال على أنقاض التشوّهات والتلوّث البصري

عن كيفية تناول الفن السينمائي لفكرة تحقيق فيلم عن ثورة وإمكانية توثيق ذلك من خلال دقائق سينمائية، يرى صعب أن “دور السينما هام للغاية، لأنه يعطي صورة مختلفة. في السينما الوثائقية هناك جانب إنساني وفني، بينما في الريبورتاج فإن الأمر متعلق بتقديم معلومات دون أبعاد إنسانية. الفيلم الوثائقي يعطي مساحة للمخرج بأن يقدّم هويته الخاصة، لأنه يسلّط الضوء على حالة محدّدة ويؤسّس لجزء من التاريخ”.

والتقط الفيلم لحظات شائكة في تاريخ المجتمع اللبناني، وتفاعل مع الأحداث العاصفة التي حلت بالمجتمع نتيجة ضغوط سياسية واجتماعية، وهو لم يقف على الحياد أو اكتفى بموقف المتفرّج، بل اختار منذ البداية الصف الذي سيكون معه، فانحاز للثورة وصوّر شبابا يهتفون لها ويشتمون الفاسدين.

كما وثّق مشاركة المرأة بشكل خاص وفعال في الحراك بكل قوتها وفي كل المواقع، فهي ترسم وتعزف وتعمل في الصحافة، كما تهتف بأعلى صوتها ضد الظلم وهي على أكتاف أشخاص آخرين. فالسينما حسب ما يرى صعب منبر يمكن للمبدع من خلاله أن يواجه سلطات الظلم وأن يحاججها بالصورة والصوت في نقاط الخلل التي أوجدتها.

وهو في ذلك، يقول “فيلم ‘أرزة تشرين’ ينقل بعين سينمائية الظروف التي أوصلت الشعب اللبناني إلى هذه النهاية، كما ينتقد الأداء الحكومي والرسمي أيا كان مصدره وشكله”.

“أرزة تشرين” فيلم عاش بين المتظاهرين والتحم بهم وعبر عنهم، مسجلا لحظات هتافهم الغاضب وصيحات نصرهم المدوية

ويوضّح الصحافي والمخرج اللبناني أنّ الفيلم نتاج أكثر من 80 ساعة تصوير، شملت ساحات التظاهر في مختلف المناطق، من العاصمة بيروت إلى عاصمة الشمال طرابلس وغيرها.

ويشير إلى أنّه تعمّد تصوير المتظاهرين بطريقة عفوية، مع التركيز على مواضيع معيّنة، على غرار دور المرأة في الثورة، الذي يصفه بالمهم جدا، خصوصا في مواجهة المجتمع الذكوري، إضافة إلى دور الفنانين في الحراك وكذلك دور الإعلام المستقل.

ويشدّد صعب على أنّ أهمية الفيلم تكمن في توثيقه لحدث غير مسبوق في التاريخ اللبناني الحديث، باعتبارها كانت المرة الأولى التي يتظاهر فيها الشعب اللبناني بطريقة عفويّة وبأعداد كبيرة، للمطالبة بحقوقه وبالعدالة الاجتماعية ولإسقاط الطبقة السياسية الفاسدة وحكم المصرف.

ومخرج فيلم “أرزة تشرين” سليم صعب اسم معروف في الحركة الفنية اللبنانية من خلال نشاطه في موسيقى الراب، وهو الشكل الفني الذي قدّم فيه سابقا مشاركات فنية وإعلامية من خلال إنتاج وتقديم برنامج يستضيف نجوم هذا الفن في العالم، كما صدرت له ثلاثة ألبومات قبل سنوات.

وهو إلى ذلك قام بإنتاج وإخراج فيلم وثائقي بعنوان “شارع بيروت هيب هوب لبنان” الذي عرض في أكبر المهرجانات السينمائية العالمية، وكذلك فيلم “قوية” الذي يوثّق لتجارب نسائية غير اعتيادية، مسلّطا الضوء على أكثر من ثماني سيدات عربيات من السعودية والكويت ولبنان وتونس دخلن مجالات فنية غير تقليدية من الغرافيتي إلى رسم الوشوم وصولا إلى الرقص والغناء والفنون القتالية.

كما يمارس نشاطا صحافيا من خلال عمله في راديو “مونت كارلو” وراديو “أليجر أف.أم” في باريس. ويكتب لعدد من المجلات منها “المصدر” و”المسار” و”كوريه دو لاتلاس”.

16