أرض الحرمين، إسلام الأكفان وإسلام الإنسان

الاثنين 2013/10/07

دخلت أرض الحرمين في حرب مفتوحة مع الإخوان المسلمين، معلنة بذلك عن نهاية لزواج معقد وغير سعيد. قبل هذا وأثناءه، فقد كانت ولا تزال تواجه الجهاديين العالميين المنشقين عن الكهنوت السلفي. لكن لا يبدو أن أرض الحرمين تفكر في استئصال الداء من أساسه. فهل هي الألفة مع مرض مزمن أم هو الخوف من مستحقات ما بعد الشفاء؟ نفهم هذا أو نتفهمه: أحيانا يتعلق الأمر بأوراق إستراتيجية تلعب ضدّ هذا الفاعل الإقليمي أو ذاك الفاعل الدولي، أو قد يتعلق الأمر بأوراق محروقة للمقايضة السياسية. هي لعبة تمرّس عليها الكثير من النافذين المحليين. نفهم أيضا أن المرء لا يميل بسهولة إلى تغيير القواعد التي تعلمها وأتقنها، ويبقى هذا ساريا حتى حين تتغير شروط اللعب. لكن الحاصل أن قواعد المواجهة اختلفت اليوم جذريا وبنحو غير معهود. ما عاد اللعب مغلقا يتحكم فيه هذا الطرف أو ذاك. لقد أمست فجوات الانفلات كثيرة ومتاحة وغير قابلة للرأب. وواهم من يظن أن هناك مؤسسة مهما بلغت من الحصانة والمناعة تبقى عصية عن الاختراق. أمست العلاقات الآن مكشوفة وتستدعي قدرا عاليا من الوضوح والشفافية في الإجابة عن السؤال: ببساطة، أيّ إسلام تريد أرض الحرمين؟ أيّ خطاب ديني؟ أيّ إنسان مسلم؟

هنا أصل الدّاء، خطاب الشيوخ في أرض المليون واعظ، لا يزال يتبنى نفس الأسلوب الذي يتقنه: تحريض الناس وتجييش العوام ضدّ الثالوث المحرم: المثقفون، النساء، والأقليات. والنتيجة أنه يبدد جهود الأمة في غزوات غوغائية على تغريدة قد يكتبها كاتب هنا، أو سيارة تنوي سياقتها امرأة هناك.

مجمل الخطاب الديني لأرض الحرمين أنه يقذف بالإنسان المسلم في جحيم من الحيطة والحذر والخوف والتوجس من كل شيء؛ من الحداثة، من الحضارة، من الفنون الجميلة، من السينما والمسرح والفلسفة والعلم والمرأة والأقليات والسياح والغرباء وحتى من عابري السبيل أو عابري الثقافات. بل، يتوجب عليه أن يتوجّس باستمرار من وجود مؤامرات تحاك ضده في الخفاء، وأن يحذر على الدوام من تلبيسات إبليس ومن مكائد النساء ومن طلائع الفتن ما ظهر منها وما بطن، عساه ينجو في الدنيا والآخرة إن هو استطاع إلى النجاة سبيلا وهيهات. بهذا النحو ينشأ مناخ عام من العصاب الوسواسي، وهو مناخ مناسب لإنتاج الإرهابيين والمتطرفين. وهكذا هو الأمر.

لنعترف بأنّ الذين يفجرون أنفسهم اليوم في المزارات والأضرحة الشيعية بالعراق، أو داخل بعض المواقع السياحية في آسيا أو غيرها، أو حتى الذين فعلوها سابقا في حي مانهاتن بنيويورك، ليسوا في آخر التحليل سوى ثمار مرّة لخطاب ديني غوغائي يجعل المسلم يشعر وكأنه يعيش وسط جحيم لا يطاق من الأعداء الحاقدين عليه، ومن الخصوم المتآمرين ضدّه.

يصرّ هذا الخطاب على إحراج سلطات أرض الحرمين- كما هو دأبه مع سائر ملوك ورؤساء العالم الإسلامي- بادعاء وجود حالات فسق بلا وازع وكفر بلا رادع. ويحاول أن يقنع الجميع بأن الإرهاب الذي خرج بعضه من أرض المليون واعظ قد مات ميتة الجاهلية. ومن ثمة لا ضرر في مئات الفتاوى التكفيرية والخارجة عن القانون والتي تهدد حياة العشرات وأمن الملايين. والنتيجة وفق هذا الظن، أن المعركة لا يجب أن تكون ضدّ المتشددين في الدين، بل ضدّ المتشككين في الدين. وهو ما يستدعي شحذ سيوف التكفير مجدّداً، وإطلاق ألسنة الدعاة بلا حسيب ولا رقيب. إنها الدائرة المفرغة إذن.

المشكلة، أن هذا الخطاب، يحاول أن يوهم المسؤولين أو بعضهم بأن وجود آلاف من الدعاة والوعاظ والخطباء، ومعهم آلاف من أعضاء لجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يُعرف بالشرطة الدينية، لا يكفي لمواجهة تسونامي الإلحاد الذي يضرب بلاد المسلمين، وأننا سنحتاج إلى مضاعفة العدد أضعافا مضاعفة، حتى ولو صار لدينا واعظ ومطاوع على رأس كل مواطن. أي نعم، لعله منتهى العبث والاستخفاف بالألباب.

أرض الحرمين الآن أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تستمر في إنتاج خطاب إسلامي ينجب مسلمين كارهين حاقدين متوجسين من الحضارة، وليكن بعدها ما يكون من نتائج يتكفل بها الأمن الداخلي؛ وإما أن تتحول إلى إنتاج خطاب ديني جديد ينجب مسلمين حيويين، مسؤولين، متصالحين مع الحياة والعصر، ويعيشون عصرهم بثقة وإرادة وطموح ورغبة في الرقي الإنساني. وبالمختصر المفيد، على أرض الحرمين أن تحسم اختيارها بين إسلام الأكفان وإسلام الإنسان.

* كاتب مغربي

8