"أرض اللواء".. حي الجالية الإريترية في القاهرة

الإريتريون ضيقوا الخناق على المصريين برفع أسعار العقارات وجمعيات أهلية مصرية تحاول فك عزلة الإريتريين بإقامة المسابقات.
الأربعاء 2018/09/05
نوع من المشاركة الرمزية كسرا لحاجز العزلة المتين

سيطرة الأمن على الحدود المصرية مع ليبيا أدت إلى إغلاق جزئي لمنافذ التهريب، ما دفع الإريتريين إلى الاستقرار بأعداد كبيرة في مصر، واختاروا حي أرض اللواء لضمان عدم مطاردتهم من قبل أجهزة الأمن، وعمدوا إلى شراء عدد كبير من العقارات لإضفاء الخصوصية على الحي وهو ما خلق أزمة بينهم وبين المصريين لأن عاداتهم وتقاليدهم بدأت تطغى على قطاع من سكانه

القاهرة – توحي التركيبة السكانية لبعض المناطق في القاهرة، أنها فقدت جزءا من هويتها المصرية، فهناك مناطق وأحياء شعبية أصبحت تشتهر بكثافة تواجد مواطني سوريا وليبيا والعراق والسودان وفلسطين، الجديد أن هناك كثافة صاعدة من مواطني دولتي إثيوبيا وإريتريا.

تختلط الجنسيات في مصر بطريقة عجيبة، ربما لعدم التعنت في إجراءات الدخول، أو التسهيلات التي تقدم للمستثمرين الأجانب، أو للزيادة السكانية الكبيرة التي تذيب الفوارق بين أبناء الدول المختلفة أحيانا، وهو ما ينفي عنهم صفة اللجوء، فلا توجد في مصر أي مخيمات أو معسكرات لمواطني الدول التي يعيشون فيها منذ زمن.

يعيش الإثيوبيون مثلا في منطقة شعبية ملاصقة لحي المعادي الراقي (جنوب القاهرة)، والسوريون والليبيون والعراقيون في المناطق الجديدة، مثل مدينة 6 أكتوبر (غرب) والتجمع الخامس (شرق) وغالبية من السودانيين تقطن في حي عين شمس (شمال)، بينما يركز الإريتريون إقامتهم في حي أرض اللواء التابع لمنطقة إمبابة القريبة من وسط القاهرة.

الفرق بين حي اللواء وباقي الأحياء القاهرية التي تعج بالعرب والأفارقة، أنه استطاع استقطاب جنسيات عدة، فهناك الإريتري والسوداني والصومالي والكيني والنيجيري وأبناء جنوب السودان، لكن يظل الإريتريون أصحاب النصيب الأكبر من تعداد أصحاب البشرة السمراء، يمكن رؤيتهم في كل بقعة من الحي الذي بدأ يشعر فيه بعض المصريين بالغربة.

حتى وقت قريب، عُرفت المنطقة وسط اللاجئين الإريتريين، كمقر لمن يريدون الهجرة إلى أوروبا، وكان يصل بعضهم إلى مصر عن طريق المهربين. يخرجون من الحدود الإريترية إلى منطقة شرق السودان ومنها إلى الخرطوم، ثم أسوان أقصى جنوب مصر، لتكون القاهرة محطتهم المقبلة، قبل التواصل مع سماسرة تهريب البشر أو أقاربهم في دول أوروبية، لتسهيل مهمة الخروج عن طريق السواحل المصرية أو الليبية القريبة منها.

تحظى القاهرة بجاذبية غريبة لدى الراغبين في الهجرة إلى أوروبا، وسجل مكتب منظمة الهجرة الدولية في مصر، أن 1900 مهاجر غير شرعي سافروا منها إلى إيطاليا في الفترة ما بين يناير وحتى أبريل 2016.

غير أن القبضة الأمنية التي تفرضها مصر على سواحلها وزيادة السيطرة على حدودها مع ليبيا أدتا إلى إغلاق جزئي لمنافذ التهريب، ما خلق عقبة أمام الإريتريين، ولم يعد أمامهم سوى الاستقرار بأعداد كبيرة في مصر، واختاروا حي أرض اللواء لمعرفتهم به وكثافته السكانية، ما يجعلهم يذوبون وسط البشر، ويبتعدون عن مطاردة أجهزة الأمن، بعد فقدانهم الإقامة بصورة شرعية، أملا في العثور على ثغرة قد ينفذون منها إلى أوروبا.

لا تقتصر إقامة هؤلاء على الأشخاص بمفردهم، بل جلبوا آخرين من عائلاتهم وكونوا أسرا في مصر، فقد يطول انتظار التوقيت المناسب للهجرة، وربما يفقدون الأمل وينتهي بهم الحال إلى البقاء في مصر.

الكثير من الأسر الإريترية لديها علاقات قوية مع أقارب في دول أوروبية، مثل إيطاليا وسويسرا وفرنسا، يمثلون بالنسبة لهم أحد مصادر الدخل، وبعضهم يغدقون عليهم بالمال، لمساعدتهم على افتتاح مشروعات وشراء عقارات ومحال تجارية ومقاه ومطاعم، عندما تطيب لهم الإقامة في مصر.

غيتو إريتري

حاولت “العرب” الاقتراب من إريتريين في حي أرض اللواء، لكنهم جميعا رفضوا الحديث بأي لغة، وكأن هناك اتفاقا بينهم على تكريس حياة “الغيتو” (منطقة يعيش فيها، طوعا أو كرها، مجموعة من السكان يعتبرهم أغلبية الناس خلفية لعرقية معينة أو لثقافة معينة أو لدين) وعدم الكلام والحيلولة دون أي محاولة لتصويرهم في أماكن جلوسهم وإقامتهم، فاضطرت “العرب” إلى الاستعانة بصور التقطتها خلسة وبصفة متناثرة، وتلمس خطى هؤلاء وحياتهم من خلال إجراء حوارات مع مصريين كانوا قريبين منهم، وعلى بينة بتفاصيل الكثير من أمور حياتهم المعيشية.

يتمسك الإريتريون في المنطقة، بالظهور أمام السكان الأصليين متلاحمي الأواصر
يتمسك الإريتريون في المنطقة، بالظهور أمام السكان الأصليين متلاحمي الأواصر

أزمة البعض من المصريين مع الإريتريين في الحي الذي تتلاصق بناياته كشأن الأحياء الشعبية في مصر، أن العادات والتقاليد والثقافة الخاصة بهم بدأت تطغى على قطاع من سكانه، وظهرت بوادر شروخ في التركيبة الاجتماعية المعروفة في أي حي شعبي.

مشكلة محمد حسن (صاحب مقهى) مع اللاجئين الإريتريين في المنطقة، أنه بإمكان 5 أسر إريترية أن تعيش مع بعضها داخل منزل واحد، حتى لو كانوا لا يعرفون بعضهم جيدا، شرط توفير المقابل المادي الذي تدفعه أسرة واحدة في تأجير المنزل. وينتشر هذا الاختلاط في أرض اللواء ويثير حفيظة المصريين الذين لم يعتادوا كثيرا على ذلك.

وهو ما دفع بعض سكان الحي للتفكير في كيف تعيش أسرة مكونة من أب وأم وأبناء في غرفة داخل منزل يشاركهم في جدرانه خمس أسر أخرى، للدرجة التي أثارت الشكوك والمخاوف لدى البعض من إمكانية وجود علاقات جنسية مشبوهة، من شدة الاختلاط؟

يقبل إريتريون بدفع مبالغ مالية مضاعفة نظير استئجار وحدات سكنية تفوق ما يدفعه المصريون، لأن القيمة الإجمالية تتوزع على الأسر وأفرادها، كي لا تشكل عبئا اقتصاديا على أحد.

تحاول بعض الجمعيات الأهلية المصرية الاقتراب من هؤلاء وفك عزلتهم من خلال إقامة مسابقات رياضية وفنية، وتعميم احتفالاتهم قدر المستطاع، كي لا تتمكن منهم العزلة، وجرى بالفعل تنظيم فعاليات مختلفة في هذا السياق، وتشجعت بعض الصفحات على المواقع الاجتماعية الخاصة بالإريتريين على نشر نماذج من الفعاليات والاحتفالات.

يقول صاحب المقهى لـ”العرب”، إن اللاجئين الإريتريين تسببوا في أزمة سكانية غير مسبوقة بحي أرض اللواء، ورفعوا أسعار الشقق لأرقام فلكية، لدرجة أن الشباب المصري بالمنطقة أصبح عاجزا عن توفير وحدة سكنية بسعر معقول للزواج والإقامة بها، وبعضهم انتقل للسكن في مناطق أخرى، بعيدا عن منافسة الإريتريين، مضيفا أنه عندما ذهب شقيقه لاستئجار متجر اتفق مع مالكه على دفع 160 دولارا شهريا، فوجئ به في اليوم الثاني يبلغه أن إريتريا وافق على دفع 9 آلاف، أي ثلاثة أضعاف ما كان سيدفعه.

تقارب سياسي

انعكس تقارب نظام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مع نظيره الإريتري أسياس أفورقي، وتبادل الزيارات بين الطرفين والتشاور حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، على حياة الإريتريين في مصر، وتحديدا الكتلة الأساسية منهم في حي أرض اللواء، وأصبح لدى بعضهم شعور بأنهم يعيشون في بلدهم الثاني، وليس كلاجئين، كما كانت تصنفهم أجهزة الأمن خلال فترة حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك.

يؤكد عادل محفوظ، مهندس مصري يقيم في الحي منذ 30 عاما “إذا وقعت مشاجرة بين مصريين وإريتريين، وتدخل رجال الأمن، نشعر أنهم (يقصد الأمن) يتعاملون مع الإريتري باعتباره صاحب الأرض ونحن ضيوف عليهم.. يبدو أنهم لا يريدون مضايقتهم حتى لا يؤثر ذلك على علاقات البلدين، وهذا خطأ لأنهم بذلك يزيدون الحساسية بيننا.. عندما أشعر بأنهم يأخذون حقهم وأنا أتعرض للأذى بسببهم، بالتالي من الصعب التعامل معهم بشكل إيجابي”.

يتمسك الإريتريون في المنطقة، بالظهور أمام السكان الأصليين متلاحمي الأواصر لأقصى درجة، ونادرا ما تجد أحدهم يسير أو يجلس بمفرده، ويغلب عليهم الطابع الجماعي. لديهم يقين أن توحدهم يشكل تحديا لكل من يحاول النيل منهم، وإذا تعرض أحدهم لأذى يتدخل أقرانه للدفاع عنه.

يتعامل الإريتريون مع حي أرض اللواء، كأنه أحد أحياء العاصمة أسمرة، فهناك شوارع وأزقة قلما يعيش فيها مصريون، بعدما نجحوا في شراء المنازل والمقاهي والمطاعم لتكون منطقة مغلقة عليهم لا يدخلها غيرهم، لإضفاء خصوصية شديدة على حياتهم.

ينظر الإريتري لفكرة الاقتراب من تفاصيل حياته الدقيقة باعتبارها اعتداء صارخا على طقوسه، وعندما أرادت “العرب”، التقاط بعض الصور التي ترصد معيشتهم في الحي، كانت ردة فعلهم عنيفة حيال الرفض القاطع، وهذه سمة تبدو شائعة عند أكثر أبناء الجاليات الأفريقية في مصر، إذ يكنون عداء للإعلام وعدسات الكاميرات، خوفا من لفت الأنظار إليهم، وتنبيه أجهزة الأمن لمطاردتهم.

تبدو فكرة التعايش بين المصري والإريتري داخل الحي قليلة وربما غائبة، ويمكن رصد ذلك بسهولة، فلا تجد مواطنين من هنا وهناك يجلسان معا، وهو ما يرجعه صبري محمود، (50 عاما) لـ”العرب”، لكون لغتهم صعبة للغاية، وعاداتهم تبدو بعيدة عن المصريين، وانتشارهم الكبير ضاعف من الفجوة بين الطرفين.

بلغ تمكن الإريتريين من المنطقة، حد إنشاء مقار طبية (عيادات) وصيدليات يديرها من تخرجوا منهم من كليات الطب والصيدلة بجامعة الأزهر في مصر، وهؤلاء يذهب إليهم أبناء الجالية، كما أن هناك مطاعم لا تقدم سوى الوجبات الخاصة بهم، فضلا عن المقاهي التي يقتصر دخولها عليهم، حتى أصبح الحي يُصنف حاليا لدى بعض المصريين بأنه حي اللاجئين الإريتريين.

20