أرض النوبة في الجنوب المصري الوجه الآخر لمجد الفراعنة

الاثنين 2014/03/03
بقيت الحضارة النوبية طيلة قرون تمثل نقطة التقاء أفريقيا بالعرب والرومان بفضل موقعها الاستراتيجي

القاهرة – أرض الذهب “نبو” أو بلاد القوس “تاستي”، هي الأسماء التي أطلقها قدماء المصريين على بلاد النوبة، كما فرق المصريون بين النوبة السفلى الواقعة على امتداد الجندلين الأول والثاني فأسموها “للواوات” وبين النوبة العليا والتي أسموها “كوش”، أما النوبيون أنفسهم فدعاهم المصريون القدماء بـ “نحسيو” وميّزوا بينهم وبين القبائل البدوية التي تعيش بين نهر النيل والبحر الأحمر.

تمتد أرض “النوبة” ما بين مصر والسودان، فتبدأ من شمال مدينة أسوان وحتى الجندل الرابع في الجنوب إلى جوار مدينة “الربة” وقد ورد اسم النوبة لأول مرة في النصوص القديمة في كتاب “الجغرافيا” للرحالة اليوناني “إسترابون” والذي زار مصر القديمة في حدود عام 29 قبل الميلاد.

ويعتقد مؤرخون أن كلمة “النوبة” تعود في الأصل إلى كلمة “نبو” المصرية والتي تضيء أرض الذهب إشارة إلى مناجم الذهب التي اشتهرت بها المنطقة، ورغم أن المراجع التاريخية تذكر الأراضي الواقعة في جنوب مصر باعتبار أن سكانها هم أقل حضارة من المصريين القدامى إلا أن نفس المصادر تؤكد على أن شعب “النوبة” ينتمي إلى نفس المصادر العرقية التي ينتمي إليها المصريون، وقد برز من أبناء النوبة جنود عظماء وتجار أثرياء باعتبارها أرض الذهب والأحجار الجديدة والأخشاب المصقولة. كما اهتم النوبيون بتربية قطعان كبيرة من الماشية والأغنام. وعن طريق نهر”النيل”، حيث أصبحت (النوبة) ممرا يوصل ما بين شمال وجنوب أفريقيا، إما بالملاحة النهرية أو بالطرق البرية، إذا تعذر إبحار السفن بسبب الجنادل والشلالات.

وقد اعتبر المصريون القدامى أن الاعتناء ببلاد النوبة يمثل بالنسبة إلى لمصر هدفاً حيوياً، فضموا إليها إقليم “الفيتين” والذي تمثله مدينة أسوان الحالية واعتبروها جزءاً من مصر العليا، وفي عهد الأسرة الأولي قام الملك “جر” باجتياز الشلال الثاني لتوسعة الأعمال التجارية ووصل حكام الدولة الوسطى حتى مدينة “سمنة” الواقعة جنوب الشلال الثاني وفي عهد “سنوسرت” الثالث نظم المصريون وسائل المواصلات إلى النوبة، كما اكتشفت بقايا مصنع يحمل الطابع المصري وراء الشلال الثالث وفي عهد “تحتمس الثالث” امتدت الدولة المصرية إلى جنوب الشلال الرابع كما اتصلوا بالشعوب الزنجية الأصلية وفي هذا العهد أيضاً منحت النوبة إدارة ذاتية بإشراف “الابن الملكي للكوش”.

868 ميلاديا نجح أحمد بن طولون في فتح النوبة وتوقيع معاهدة "البقط" والمقايضة بالمال مقابل السلام

وقد تعلم النوبيون فنون الجندية والأعمال الشرطية عندما استخدمهم المصريون في الجيش والشرطة كما انتقلت الحضارة والديانة وكثيراً من العادات المصرية إلى أبناء النوبة وهو ما مكنهم من تنظيم أنفسهم واستطاعوا تكوين جيش قوي هزموا به الجيش المصري وأخضعوا مصر العليا كما دانت لهم مصر السفلى.

وبعد سقوط الحكم النوبي في مصر أصبح للنوبيين ثقافتهم الخاصة على الضفة الشرقية للنيل ما بين الجندل الخامس والسادس وقد تيسرت أسباب العيش لهم في هذه المنطقة نظراً لمائها الوفير وأرضها الخصبة، واستطاعت هذه المملكة التي عرفت بمملكة “مروي” أن تسيطر وتتحكم في طرق التجارة المتجهة شمالاً إلى مصر وجنوباً نحو أفريقيا الوسطي، وشرقاً نحوالبحر الأحمر وغرباً نحو” كروفان” و”دار فور” وقد أصبحت “مروي” منذ القرن السابع قبل الميلاد مركزاً اقتصادياً مزدهراً ولمدة تسعة قرون، وقد بدأ تاريخياً العصر المروي بعد نقل ملوك الكوشة عاصمتهم إليها في عهد ملكهم”إسبلتا” وتزامن هذا العصر مع العصر الفارسي وأسرته المتأخرة من الثامنة والعشرين وحتى الواحدة والثلاثين – كما تزامن العصر المروي مع العصر البطلمي والعصر الروماني.

1517 دخل العثمانيون النوبة على يد سليم الأول وأصبحت تتبع الدولة العثمانية وقد إعتنق أغلب سكانها الإسلام

ورغم أن الرومان والمرويون قد اتفقا على بقاء النوبة تحت الحكم المروي على أن يحميها الرومان عسكرياً، فإن الملكة “أماني رانيس”زحفت بجيش مروي واحتلت النوبة بعد أن هزمت ثلاثة فيالق رومانية واحتلت جزيرتي “فيلة وألفنتين” فضلاً عن أسوان، كما حطم الجيش المروي تماثيل القيصر الروماني “أوغسطس” وأخذ الكثير من الأسرى والغنائم لكن ” تبردنيس” والي مصر الروماني شن هجوماً مضاداً وصل به حتى مدينة “نباتا” في الجنوب واستولى عليها ثم ترك حامية في “أيديم” وارتد نحو الشمال.

ومع نهاية العصر “البطلمي” أخذت مملكة “مروي” في الأفول، وشاب تاريخ النوبة في هذه الفترة كثيرا من الغموض ورغم وجود آثار دالة على تنظيم الحياة تحت سيادة ملكية إلا أنها غير محددة، وخير شاهد على هذه الحضارة الغامضة الآثار المتقابلة على ضفتي النيل في “بلانة وقسطل” المدينتين الجنوبيتين، وتدل عادات الدفن لديهم على أن العادات والمعتقدات كانت شديدة الشبه بما هو متبع في وادي النيل من دفن الميت بملابسه الجلدية ودفن متعلقاته معه فضلاً عن خدمه وحراسه إذا كان من ذوي الشأن ليكونوا في خدمته في حياته الأخيرة، كما عثر على آثار خيول مدفونة بكامل سروجها وعدتها التي زيّن بعضها بالفضة واللازورد، ومن البديهي أن هذه المملكة الغامضة دانت بالديانات الوثنية لمصر ومروي كما تأثرت صناعاتهم بهذين المملكتين فضلا عن الفن البيزنطي.

1899 قسم الإنكليز النوبة إلى جزء سوداني وجزء مصري، رغم ما تتميز به النوبة من وحدة ترابية واجتماعية وثقافية

وظلت العبادات في النوبة وثنية إلى أن أعلن الإمبراطور “ثيودوسيس” المسيحية ديناً للدولة عام 380 م، ثم حرم الديانات الوثنية وأصر على إغلاق المعابد في مصر والنوبة مما أثار مشاعر النوبيين و”البلمسيين” فوحدوا صفوفهم وهاجموا التجمعات المسيحية في الواحات الخارجة وغزوا مدينة “طيبة” في منتصف القرن الخامس الميلادي وحاصروا الأديرة. فتصدى لهم “ماكسيموس” وهزمهم وفرض عليهم معاهدة سلام تستمر لمائة عام قدموا خلالها أبناء سادتهم كرهائن ضمانة لعدم نقد الاتفاقية لكنه سمح لهم بعبادة الإلهة “إيزيس” على أن يدفعوا تكاليف الحرب.

ورويداً رويداً أخذت العقيدة المسيحية تنشر في النوبة بفضل التجار أو المسيحيين الفارين من الاضطهاد المذهبي للحكم البيزنطي، وقد عثر على بعض الآثار التي تؤرخ لبداية دخول المسيحية إلى النوبة ووجد الباحثون عدداً من الصلبان نقشت على قطع فخارية في “بلانة وقسطل”، كما انتشرت الكنائس والأديرة في أنحاء النوبة والتي شيّد بعضها على النمط البيزنطي “البازيليكا” كما كانت “أبريم” مقراً لبطريركية النوبة.

12