أرض ميعاد ملتبسة لمليون ونصف المليون قديس أرمني

الأحد 2015/04/26

لا يظهر الأرمن في استعادتهم لذكرى المجازر التي حلت بهم رغبة في كشف الحقيقة، بل رغبة في الحلول مكان الجلاد. ليس أدل على ذلك أكثر من غرامهم ومن يشايعهم من الأقليات المتكاثرة بالقتلة. يريدون أن تكون المجزرة التي ارتكبت في حقهم هي وحدها “المجزرة”، وأن تتحول تاليا إلى قبر جماعي يدفن كل المجازر التي لم تتوقف للحظة بحق الجميع. يريدون أن يكونوا مديري أعمال المجزرة وهم بذلك يحرموننا من التعاطف معهم، كونهم يطلبون شرطا قاسيا للقبول به هو أن نكون مدافعين عن المجزرة التي ترتكب ضدنا حاليا، وعن ماضيها ومستقبلها كذلك.

أثار قرار وزير التربية اللبناني بتعطيل المدارس في ذكرى المجازر جدلا واسعا وردود أفعال تمثلت برفع الأعلام التركية في مناطق السنّة، واستنكارات عديدة كان أبرزها اعتبار مدير عام الأوقاف الإسلامية هشام خليفة هذه المسألة خلافا تاريخيا متنازعا عليه بين الأتراك والأرمن، ولا مصلحة للبنان في الدخول فيه وتهديد علاقاته بدولة إقليمية مهمة كتركيا.

كالعادة تم وضع مأساة كبرى بحجم المجازر التي حلت بالأرمن في سوق الاستهلاك الداخلي اللبناني وجعلها تاليا بلا سياق ولا اتجاه. باتت أضيق بكثير من أن تكون شأنا عاما، وغير صالحة للتحول إلى قضية إنسانية. باتت المجازر القاسية في الاستعمال اللبناني نوعا من الثرثرة التي تشبه منطق الاشتباك التلفزيوني بين الفريقين المتنازعين في لبنان. لم تعد آيلة للتاريخ ولا للذاكرة، ولم تعد صالحة حتى للأرشيف، بل أصابها ما أصاب الكمّ الهائل من الصور والمشاهد التي أفرزتها المجزرة الوحشية التي يرتكبها بشار الأسد ضد السوريين منذ أكثر من أربع سنوات.

لم يستطع كل هذا الفيض الهائل من الصور والفيديوهات الخارجة من جحيم المجازر البشّارية فرض نفسه على العالم بوصفه “المجزرة” وذلك لأن أبناء البلاد وشعوب المنطقة لا يجمعون على تأويل موحّد لها. لذا باتت خاضعة للتشكيك أو لفقدان القدرة على التمركز في معنى واضح ومحدد ونهائي. صار وضوحها علامة على وجود إجرام ما ولكن دون مجرمين، وبات الفاعل المعروف قادرا على نسب هذا الإجرام لضحاياه دون أن يكون مثل هذا الفعل مستحيلا.

ما فعله الأرمن بمجزرتهم يكاد يبلغ حد التواطؤ مع القتلة فهم حرصوا في لبنان أن يكونوا أرمنا أكثر بكثير من حرصهم على أن يكونوا لبنانيين، ولكنهم يطالبون بأن تكون المأساة الأرمنية محل إجماع لبناني عام، وأن يأخذ جميع الأطراف في لبنان بالمعنى الذي ينسبونه لهذه المجازر دون نقاش.

لم يفرض أحد على الأرمن في لبنان تحويل مناطق عيشهم إلى محميات طبيعية ولكنهم فرضوا على أنفسهم ذلك، وهم يحظون بامتيازات حقوقية وسياسية غير متيسرة لغيرهم من الأقليات، ويشاركون في الحكم تحت لواء القوى المتصارعة في البلاد حيث يوزعون ولاءاتهم بينها. تاليا يمكن القول إن هناك أرمن السنة وأرمن الشيعة قياسا على طبيعة الصراع المندلع حاليا. ولكن المشكلة أن الأرمن يريدون أن يكون السنة والشيعة، والمسيحيون هم أرمن الأرمن في مواقفهم ضد الأتراك وذلك على الرغم من انحيازهم العام للطرف القاتل في المنطقة.

كان من اللافت مؤخرا أن الكنيسة الأرمنية أصدرت قرارا يقضي بإعلان قداسة كل ضحايا المجازر التي ارتكبت منذ قرن والبالغ عددهم المليون ونصف المليون، وهو ما يعد أكبر عملية إعلان قداسة في تاريخ الكنيسة المسيحية.

هكذا سيصبح الشعب الأرمني كله شعبا من القديسين، وتاليا سيصبح المكان الذي يقيمون فيه عبارة عن مكان مقدس يحوّل كل ما حوله إلى سديم. ميرسيا إلياد يعرض لطبيعة المكان المقدس، حيث يرى أن الإنسان المتدين يعيش تجربة انعدام التجانس المجالي ما يترجم بـ”تجربة تعارض بين المكان المقدس الذي هو وحده الحقيقي، في حين أن كل الباقي يشكل محيطا بلا شكل محدد.”

إن شعبا كاملا من أبناء القديسين الشهداء بصدد التشكل بعد قرار الكنيسة الأرمنية ما يعني ببساطة أن هناك مشكلة كبيرة في الجغرافيا بصدد الانفجار والكشف عن معاني جديدة للصراعات المندلعة في المنطقة. سنكون أمام حشد من حاملي القداسة الباحثين عن أرض الميعاد، والساعين إلى استردادها أو استعادتها، أو خلقها.

يبدو الأرمن اللبنانيون جزءا من سياق وراثة القداسة هذا، حيث تبدو المجزرة التي يستعملونها نوعا من أضحية رخيصة للقداسة الناجمة عنها، وهي قداسة تسمح بتحويل كل أرمني إلى وليّ دم لمليون ونصف المليون ضحية.

هكذا لا يعود فهم القضية ممكنا عبر مفردات الانتقام والغفران والمساءلة ودفع التعويضات، فهذه كلها مفاهيم تعتمد على فكرة الحدود التي لا يعترف بها المقدس. تاليا تصبح كل المجازر التي لازالت تتناسل في المنطقة والتي يتحالف جلّ الأرمن مع منفذيها نوعا من سياق يدخل تحت توصيف العادي والطبيعي.

من يسقطون في هذه المجازر هم عاديون ولا يمكن لموتهم منافسة شهادة القديسين ولا المثول أمامها ولو على هيئة ألم غير محدد المعنى. شهادة القديسين تحوّل الموتى إلى أرقام بائسة لا محل لها في الذاكرة ولا في التأويل، وطبعا لا مجال لإدانة منفذيها.

يفتح الجميع حروب القداسة ضد الضحايا. يفتح الأرمن حرب القداسة ضد المجازر التي حلت بهم وضد الضحايا الذين لازالوا يسقطون حتى هذه اللحظة، ويفتح من يرفضون الاعتراف بمجازر الأرمن الحرب نفسها ضد الضحايا الذين لازالوا يتكاثرون.

القديسون خفيفون ولديهم أجنحة يعبرون بها من موتهم إلى السماوات حيث السكينة والأمل، أما الضحايا العاديون الذين نعرفهم والذين هم الأهل، والأبناء، والأصدقاء والجيران، فهم يذهبون إلى الموت مكبّلين بأثقال رصاصية تشدهم إلى أعماق البحار أو إلى الطبقات السفلى من التراب.

كاتب لبناني

5