أرفض أن أكبر

الأحد 2016/05/01

يكثر الطبّاخ المبتدئ من التوابل والتذوّق، والحلاّق الشعبي من الكلام والسيشوار، والكذّاب من القسم والتبرير، والمخمور من التوازن والتركيز، والحزين من السخرية والابتسام، ويكثر فاقد الرغبة في الكتابة -مثلي الآن- من الاستطراد، كذاك الذي كان يتلمّس جيوبه بحثا عن القدّاحة، ثمّ نسي ما كان يبحث عنه، وسأل صديقه “لقد زاد وزني أليس كذلك؟”.

إنه الإنسان، وعلى ذكر الإنسان، مازلت أتذكّر رفيق المدرسة الابتدائية الذي لطمني على إنسان عيني.. نعم، إنسان عيني، هكذا قالت آنستي أم مهدي في المدرسة، ثمّ أضافت في تقريرها الموجّه للمدير أنّ “إنساني”، أي إنسان عيني قد أصيب بخدش وينبغي عرضي على طبيب.

جاء موعد الفحص أمام الطبيب وكنت بصحبة أبي، جلست على الكرسي مقابل تلك اللوحة التي لا تحتوي إلاّ على حرف واحد من اللغة اللاتينية، ثم يتكرّر في شكل قنطرة أو خنفساء أو فكّ كلب، يتناسل ويصغر حتى يختفي في السطر الثالث أو الرابع.

أشار بعصاه “في أيّ اتجاه يشير هذا الحرف”؟ فارتعبت وخفت أن يضربني إن لم أعرف الإجابة، لكنّ والدي أنقذني في اللحظة المناسبة وفي غفلة من الطبيب ذي النظارات السميكة، أشار لي أبي بيده خلسة نحو الاتجاه الصحيح، كانت إجابتي الأولى صحيحة، وكذلك الثانية وحتى العاشرة، لأنّني كنت أثق بكلام والدي وأطيع أمره.

وخرجت أنا وأبي من عيادة الطبيب مبتهجين لتقرير الطبيب، وأكلنا طبقا مليئا بالتوابل في المطعم الوحيد في البلدة والمليء بالذباب أيضا، قال لي أبي إنّ صاحبه من أمهر الطباخين في البلدة.

ذهبنا إلى حلاّق أبي المفضّل فأكثر لي من الأسئلة عن عواصم البلدان والسيشوار، حتى احترق شعري فاضطرّ لحلاقته على الصفر، وهو يعاتبني على جهلي بأسماء عواصم كثيرة.

أمرني أبي بالتكتّم حول الموضوع، علمت أمّي بالموضوع طبعا، وطلبت مني أن أقسم بأن لا أمشي قبالة أبي أثناء الخروج إلى الصيد، لأنه ضعيف النظر وقد يحسبك أرنبا بريّا، فأقسمت، وكاد أبي بعد يوم يطلق النار عليّ، لكنّه قال لي بأنه يمزح ويحب إطلاق النار كي لا يعود بالخراطيش ممتلئة.

اشترى أبي في طريقنا أرنبا بريّا وقنصا كثيرا، وقال لي “لا تخبر أمك بالموضوع”، أخبرت أمي، فسمعتها تشكره على مهارته وتنصحه بعدم اصطحاب النقود في رحلة الصيد كي لا يضيّعها في الطريق.

أبي يرقد الآن إلى جانب أمي دون بندقية ولا نظارات تحت شاهدتين سميكتين من الرخام، وأنا أنظر بإنسان عيني الجريح خلف نظارتين سميكتين وأطلق الحبر في الفراغ، لعلّني أصيد فكرة بريّة، كي لا أعود إلى البيت بخراطيش ممتلئة فأضطرّ لشراء فكرة من الطريق.

قال صديقي المرحوم إياد “لا أحب الأطفال لأنهم يكبرون”، وأنا مازلت أنسى أسماء العواصم.. ونسيت أن أكبر يا أبي.

24