أرق الروح

الخميس 2014/05/08

حين لا نريد قول الأهم في مسار حياتنا فمن الأفضل ألا نكتب سيرة ذاتية، تفاصيل الطفولة وانتكاساتها وفتنها، وتحققاتها وامتناعاتها اللعبية، قد تكون مستساغة في حالة استثنائية، كحالة اليتم أو الاضطهاد أو الإعاقة، مثلما كان شأن جبران أو سلامة موسى أو طه حسين، أو في حالة منفى مؤثل كما هو حال كل الكتاب الفلسطينيين، كذلك كانت سيرة جبرا إبراهيم جبرا وهشام شرابي وإدوارد سعيد وإحسان عباس وغيرهم.. كان الشوق لسيرهم شوقا لفلسطين ولوجدانيات البعد والتوق.

لكن في أحوال الكتابة المتحققة التي تحبل بالمعابر وحيث تمتزج الكتابة بالنضال وبالسجال السياسي، فإن طفولة الكاتب قد لا تعني لنا شيئا، ننتظر أن نقرأ تفاصيل تلك المرافئ والممرات التي أفضت إلى المتاريس أو إلى المنصات، للملاجئ أو شوارع الأميرات، بمعنى آخر نحن حين نقرأ سيرة كاتب ممن صاغ ألوان جيلنا وحروفه ومجازاته، فلنتعرف ليس على البراءة، وإنما على المكر الموجب، على التجربة المنطوية على كل مثالب الشراسة، ولكي يحكي لنا عن أوج ما وقع، حين كان هناك، يشحذ الحدّ واللسان، وحين كان المصير يجتبي للفرد أوطانا وأناشيد، من شام إلى يمن ومن بغداد إلى تطوان.

أسوق كل هذا الكلام توشية للحديث عن نص “أرق الروح” للناقدة يمنى العيد، وحين أقول توشية، فللإقرار بتبجيلي للانتماء إلى جيل كانت يمنى العيد من أهم رموزه في الكتابة وفي النضال. كنا ونحن ننتمي إلى مغرب العالم العربي ننتظر في سيرة “أرق الروح” أن تكتب “يمنى” سيرة زمن قراءتنا لها، سيرة ما بين السبعينات والتسعينات، لا أن تكتب طفولتها ويفاعتها، لأن الأدبي والسياسي والرمزي فيها هو تلك السنوات، هو تلك الحكاية المنسية التي لم تحكها لنا وتركتنا نقلب مهارتها الروائية، التي لم تكن يوما في حاجة لها.

تعود بي الذاكرة إلى آخر مرة التقيت فيها يمنى العيد سنة 2008 بملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي المأسوف عليه. كنا في جلسة مفتوحة على كل المتناقضات في مقصف “أوطيل بيراميزا”، حين فاجأتنا “يمنى” بعريضة للتوقيع، مضمونها إدانة ما جرى من رهن مصير الدولة اللبنانية من قبل حزب الله، مضت لحظتها سنتان على حرب 2006 التي دمرت بيروت، وكان خطابها يتضمن سؤالا وحيدا، أليس من حق لبنان أن يعيش كدولة سوية.

استحضرت هذا السؤال، وأنا أرافق “حكمت الصباغ” الأخرى تلك التي كانت لا تسمى “يمنى العيد”، في سيرة “أرق الروح”، استحضرته وأنا أرتحل مع “حكمت” عبر أزقة صيدا وليس في بيروت، والتي كانت مجرد مدرّسة ثم مديرة بارعة لثانوية حققت في تسييرها مضمون عقيدتها غير المنحازة. استحضرتها وأنا أطوي آخر الصفحات من “أرق روحي لمعرفتها” هي بالذات، ولم تكن هناك “يمنى” ولا بيروت التي صنعت كل تلك المجازات.


كاتب من المغرب

15