أرق شهريار لم يخفف من ندم عبدالفتاح كيليطو

الكاتب المغربي يرى في كتابه "في جو من الندم الفكري" أن الخطأ ليس شيئا عرَضيا، يحدث أو لا يحدث، بل على العكس المكوّن الأساس للكتابة، معدنها وطبعها.
الأحد 2021/04/04
كيليطو يطرح إشكالية التعدد اللغوي

من أدخل عبدالفتاح كيليطو “في جو من الندم الفكري”؟ إنه السؤال الذي راوده ككاتب، قبل القارئ. ففي عمله الأدبي ربما يجد نفسه عاقدا العزم على التخلي عن الأهداف الكبرى، معتبرا نفسه سعيدا إن تمكّن من إيجاد موطئ قدم في المستنقعات الضبابية المتقلبة؛ هكذا ينتقل في حياته من يأس إلى يأس ومن تماسك إلى تماسك، تماما كما فعل إدموند هوسرل في عمله الفلسفي، وأورده كيليطو كمقولة في مستهل كتابه الجديد مع مقولة لجوته فيها اندهاش من ضخامة الكتب واتساع مجال المعرفة وما يتعيّن تعلمه في الكتاب.

لم يخف كيليطو قلقه الغامض الذي ألمّ به ناظرا إلى غلاف الترجمة الفرنسية لـ”كتاب البخلاء” للجاحظ، ففي طبعة جديدة لهذا الكتاب الذي أنجزه المستعرب الفرنسي شارل پـيلا مصحوبا بالمقدمة التي كتبها كيليطو بطلب من عبدالوهاب المؤدب، غاب اسم المترجم عن الغلاف وعن صفحة العنوان الداخلي، حدث سهو فظيع محا اسم پـيلا الذي قضى عمرا في البحث والعناية بأدب الجاحظ. ورغم أن كيليطو ذكره في مقدمته وأثنى عليه إلا أنه تساءل: ولكن من يقرأ المقدمات؟

يحدث لكيليطو صاحب القدَر الخصوصي شعور غامض بنوع من اللذة حين يكون غيظه موجها إلى نفسه ويؤنبها أشد التأنيب عندما يقع له دائما نفس الشيء ويرتكب ذات الأخطاء باستمرار. إنه شعور بمجابهة قوة جبارة، شعور بالغبن والمرارة وكذلك بلذة خفية باطنة. ولقد حاول كيليطو إبراز فكرة أن القدَر هو ما يتكرر، في بحث جامعي عن روايات فرنسوا مورياك، حصل ذلك قبل ما يقارب نصف قرن. يعتقد كيليطو بأن اطلاعه على قول غريب منسوب إلى معاوية بن أبي سفيان في أحد كتب الجاحظ، قول ينظر إلى مسألة الشعور بالحنق كأكبر لذة في الحياة، قد جاء متأخرا وإلاّ كان البحث في روايات أدب مورياك مختلفا وربما مثيرا.

 ادعاء أن لا أحد ينام في “الليالي” أحدث صدعا في جزء من النسق المتكامل الذي أنشأه كيليطو في كتابه “الغائب”. هذا ما اكتشفه عندما توصّل برسالة أستاذة تدرّس روايته “أنبئوني بالرؤيا” ضمن مقرر التبريز في الفرنسية، تُعلمه فيها بأن ما جاء في ترجمة أنطوان غالان لـ”ألف ليلة” هو أن الشخوص الثلاثة في الحكاية – الإطار ينامون جزءا من الليل.

القارئ يجد المفاتيح والأبواب وعتبة الباب أيضا في معظم ما يكتبه كيليطو

 تملّك كيليطو الغيظ الشديد ولام نفسه، وللتخفيف من وقع الصدمة التي عاشها حين انتبه إلى خطئه في كتابيه معا، أعاد الاطلاع على النص العربي لليالي وعلى باقي الترجمات للتأكد من الأمر والسعي إلى تدبره، وكاد يقول مع الأسف حين وجد أن النوم وارد في أقدم مخطوط لليالي من القرن الخامس عشر، لكنه في نهاية الأمر فكّر بشيء من الخبث بعد أن نظر في بعض الترجمات أنه من حسن حظه أن شهريار كان مصابا بالأرق ولا يغمض له جفن.

كم كان كيليطو مصيبا حين أسمى هذا الفصل من كتابه “في جو من الندم الفكري” بـ”فنّ الخطأ”! وهو ما سوف يؤكده مرة أخرى في موضع آخر من الكتاب وفيه يكشف أنه قد اتضح له، خلافا لما كان يعتقده في صغره، أن الخطأ ليس شيئا عرَضيا، يحدث أو لا يحدث، إنه على العكس المكوّن الأساس للكتابة، معدنها وطبعها.

ويحيلنا فصل “العُميان” في كتاب “في جوّ من الندم الفكري” إلى كتاب آخر لكيليطو عنوانه “من نبحث عنه بعيدا، يقطن قربنا” الذي استهله بما ورد في يوميات فرانتس كافكا “في معظم الأوقات من نبحث عنه بعيدا، يقطن قربنا…  يعود ذلك لكوننا لا نعرف شيئا عن هذا الجار المبحوث عنه. وبالفعل، فإنّنا لا نعلم أننا نبحث عنه، ولا كونه يقطن قربنا، وفي هذه الحالة، يمكننا أن نكون على أتم اليقين أنه يقطن قربنا”.

 وفي كتابه الجديد يؤكد كيليطو أنه إذا صح ما كتبه بليز باسكال في “خواطر”، “ما تبحث عنه قد وجدته من قبل”، فإن المعرفة سابقة للبحث الذي نقوم به من أجل إدراكها. لقد فكّر كيليطو في فصل بعنوان “بورخيس والجار”، لكن باغتته في ما بعد فكرة مفادها أن “بورخيس هو الجار”.

ليس في الرواية مفتاحا
نقاش مفتوح حول قضيتين متلازمتين الكتابة والقراءة

لم يملك بورخيس أن يفعل شيئا آخر سوى التعرّف على صورته في مرآة أدب العرب، لقد ظل مخلصا له إلى أن تعلّم لغته فأسلم الروح، كان سيقرأ أمهات الكتب العربية بلغتها لكن الموت عاجله. ويشير كيليطو إلى كون هذه التجربة قد سبقتها أخرى عاشها بورخيس من قبل حين عُيّن مديرا للمكتبة الوطنية ببيونس أيرس لكنّه فقد البصر قبل أن تتسنى له قراءة ما لا يحصى من كتبها.

لقد صمت بورخيس عن المعري وعن ذكره رغم أنه كان أقرب الأدباء العرب إليه وجمعتهما أمور كثيرة من بينها العمى، له سرّ فضّل كيليطو أن يبقيه مجرد سؤال لا غير. عدا أن كيليطو يرى أن ما قاله المعري في إحدى قصائده “ولَدَيّ سِرّ ليسَ يمكنُ ذكـرُهُ/ يخفَى على البُصَراءِ وهوَ نهارُ”، كلام إن كان له معنى فأبوالعلاء رغم عماه هو المبصر الوحيد بينما قراؤه المصابون حتما بالعمى ولا يلمحون سرّه.

ويشغل موضوع المفتاح كيليطو منذ مدة طويلة، فما يُرى في المنام له مفتاح يُدخل إلى معان خفية. في كتاب “أنبئوني بالرؤيا” نقرأ لكيليطو “فعلتَ ذلك عمدا، أليس كذلك، أن تترك المفتاح على الصندوق؟” وفي كتاب “حصان نيتشه” نقرأ له “إذا كانت عندي مفاتيحها، فمفاتيحي لا بدّ أن تكون بحوزتها”. كما يتحدث كيليطو في كتابات أخرى عن زوجة ر، المتوارية خلف بابها، وعن المرأة الشابة التي صعدت وطرقت الباب. إن القارئ يجد المفاتيح والأبواب وعتبة الباب أيضا في معظم ما يكتبه كيليطو، لذلك أورد في ندمه الفكري بأنه رغم اعتقاده لمدة طويلة أن ليس في الرواية مفتاحا، لكنه كان بصفة لاواعية يعلم أن هناك واحدا.

وأدى ولع كيليطو بالقراءة إلى رسم مصيره منذ الطفولة وحدد مستقبله الدراسي والمهني، لقد تخصّص في دراسة الأدب الفرنسي لكن الأمر انتهى به بإنجاز أطروحة عن مقامات الهمذاني والحريري. يخيّل إلى كيليطو اليوم أنه القارئ الوحيد للمقامات وبأنها ألّفت من أجله، لذا مازال يتساءل لماذا وقع اختياره عليها بالذات، على نصوص لا يقرأها أحد.

كان حرف الراء مجرد حرف ولم يكن غائبا في كتابه “بحث” المنشور قبل عقدين بدار نشر فرنسية، والذي عرضه كيليطو مخطوطا على صديق فرنسي ملتمسا رأيه، وكان أن لاحظ الصديق افتقاره إلى طابع مغربي، مغاربي، عربي. لقد كان انتقاده لكيليطو في العمق أحد مواضيع الكتاب. ولقد أحس كيليطو بأن المنتقد كان بإمكانه أن يحرجه بطرح سؤال: لماذا تصر على الكتابة بالفرنسية؟ ربما الجواب عن هذا السؤال قد يجده القارئ في كتاب “لن تتكلم لغتي” الذي يقول كيليطو في فصله الذي عنونه بـ”لا تتكلم لغتي ولن تتكلمها” “لكم كنت أود أن أكون صاحب قول ‘إننا ضيوف اللغة’… إننا مسكونون باللغة، بالمعنى السحري للكلمة”. ويعرج كيليطو على هذا الكتاب في جوّ ندمه الفكري متسائلا  “لو كتب فرنسي رواية باللغة العربية، كيف سأنظر إليها وماذا سيكون ارتسامي؟”.

ولم يفارق كيليطو الشعور بأن الأدب العربي يحتاجه بقدر ما يحتاج هو إليه، واعتقاده الثابت هذا جعله يحس بأن في مقدوره أن يضيف إليه شيئا. كما أن هيمنة موضوع اللغة على تفكير كيليطو جعلته ملزما بانتزاع حق الكتابة باللغة العربية وفرض نفسه ككاتب عربي لا يكتب كالأوروبيين ويختلف في الآن عن المؤلفين العرب. وعندما كان بصدد نشر أعماله الكاملة باللغة العربية التقى صدفة بطالبة قديمة تضايقت حين أخبرها بذلك، الأمر الذي أقلقه لمدة وجيزة، لقد شعر بأنه أخطأ اللغة وخجل من كتابته بالعربية، لكنه حين استعاد إدراكه خجل من ذلك الخجل.

في الليلة الواحدة بعد الألف تحكي شهرزاد حكاية شهريار، لو لم ينتبه الملك لحكايته لاستمرت شهرزاد في السرد وأعادت كل ما حكته في الليالي الألف السابقة. القصة الأولى في الكتاب هي الأخيرة وهو ما قد يجعله يتكرر إلى ما لا نهاية. هكذا برزت هذه الفكرة مذهلة لكيليطو، كما فكرة كتاب “في جوّ من الندم الفكري” الذي يتكرر فيه الندم إلى ما لا نهاية.

ينشر المقال بالاتفاق مع مجلة الجديد الثقافية اللندنية

10