أرق على أرق

الأربعاء 2015/04/22

ما يحكم نومنا وعافيتنا حساسيتنا المتفاوتة بما يدور حولنا.. فثمة من لا يستطيع النوم وطنين بعوضة لا تراها العين يتناهى في ظلمة غرفته.. وثمة من تحرمه ذبذبات الساعة على الجدار إغفاءة البدء بحلم عابر.. وثمة من يوقظه ضياء خافت يتسرب من خلف ستارة سميكة لفجر وشيك.. وأيضا ثمة من ينام مثل فيل ويشخر بينما أصوات القصف والانفجارات تدوي حوله!.. أو أنه، بحسب التعبير الإنكليزي، “ينام مثل جذع شجرة مقطوع ميت”..

لا شك أن من أهم أعراض الحب هي السهر (ولن أقول الأرق!).. وهو ما ينطبق على بدايات الحب ونهاياته وأيام الخصام والشك بين طيات قصصه!.. أما متن الحب وجوهره فتختصره عبارة أن الحب عافية.. فهو يمنح الروح والجسد هناءة الإغفاء والنوم العميق مهما كان اليوم حولهما مكتظا بالهموم..

دراسات وعيادات ومختصون وأطباء وعقاقير لا تحصى ولا تعد توصف لعلاج من يعاني اضطرابات النوم وحالات الأرق المتكررة.. تلك التي قد تبدأ بسهاد خفيف أو عارض يدوم يوما أو بضعة أيام ويزول.. أو تلك التي تطول وتستغرق أشهرا أو أكثر.. فتتحول بالتدريج إلى “إنسومنيا” حادة.. أي ما يعرف بمرض عدم النوم المزمن.. وللأخير أيضا علاجاته الكثيرة وليس أهمها تناول الحبوب المنومة.. وهناك الكثير من النصائح التي يسديها الأطباء أو المجربون.. مثل التقليل من تناول الشاي والقهوة والمنبهات أو ممارسة الرياضة والمشي في النهار.. أو القراءة.. أو تلاوة الأدعية والأذكار والصلاة قبل النوم.. أو كتابة كل ما يقلق المرء وإنهائه بعبارة: “غدا صباحا سأفكر بالأمر وأحل المشكلة”!..

وحين كنا صغارا كانوا يقولون لمن لا يريد النوم منّـا: “اغمضْ عينيك وتخيـّل أن ثمة خرافا تطير وابدأ بعدّها”.. وكم كنتُ أعدّ وأتوهُ وأخطئ لأبدأ من جديد وأبقى ساهرة!

وثمة الكثير من الحلول الفردية أيضا.. أعرف مثلا أكثر من شخص ينام وقرب رأسه راديو مفتوح تهدر منه كل الأصوات الصاخبة والهادئة مما يساعد على تشتيت هواجسه فيدخل مملكة النوم بعيدا عنها.. وأعرف من اعتاد ألا ينام إلا باستخدام سدادات الأذن أو غطاء العينين.. حدثتني مرة صديقة أيرلندية عن فوائد زهرة “اللافندر” التي تجففها وتضعها تحت مخدتها لتنعم بنوم هادئ.. وقد أكدت لي إحدى صديقاتي البغداديات أنها ما أن عرفت بتلك المعلومة حتى أدمنتْ “اللافندر” وصارت لا تستطيع النوم دونه!..

ولكن.. وبما أننا ننتمي لأمة أدمنت الحروب والنكبات.. فسنبقى نعاني ربما من حالات أرق ميئوس منها.. تحتاج إلى تعامل من نوع خاص.. وتستدعي قبل كل شيء استئصال العوامل النفسية الداخلية والخارجية التي تفضي إلى التوتر والعصبية التي تراود اغفاءاتٍ نتوسّلها فتجيئنا مثقلة بالكوابيس.. فكيف لنا أن ننام ملء جفوننا وأرضنا تـُستباح؟.. كيف للكوابيسِ أن تفارقنا بعد أن خبرنا لون الدم البشري وقد لطّخ ماضينا وحاضرنا؟.. كيف لنا أن نتدفـّأ بأحلامنا وأهلنا يموتون بردا في العراء؟.. كيف لنا أن نستل إغفاءة هانئة وأخواتنا سبايا وإخواننا يُذبحون؟.. المريض لا ينام.. والمعتل لا ينام.. فكيف لأم أن تنام وطفلها عليل؟..

النوم عافية.. ولا أظننا سنجد علاجا لأرقنا وسهادنا قبل أن يذوق بلدنا طعم العافية..

21