"أركادية" توم ستوبارد أعظم مسرحيات القرن

الأحد 2013/08/18
توم ستوبارد: الفرد هو الحق ومؤسسات الاستبداد هي الباطل

لا ريب أن ما ميَّز المسرح البريطاني في نهاية القرن العشرين من مسرحيات صادمة متحدية تقوم على الاستفزاز طفق يخبو الآن في أذهان النقاد والجماهير بعد أن بدت في حقيقتها سطحية التناول تتعمد جذب الانتباه. كم مسرحية ستدوم إذن من مسرحيات تلك الحقبة.

الحق أن نوعاً مسرحياً واحداً يتراءى راسخاً رغم السنوات ليصبح روائع صادقة لا زيف فيها، وقد يُعرِّف حقاً تلك الفترة، ألا وهو مسرح الأفكار. لقد حاول هذا المسرح إفراغ تقلبات فكرية نالت من تلك السنوات في قالب مسرحي، وباستخدام الكوميديا تارة والإثارة تارة، طرح أسئلة لا سبيل إلى تجاهلها: ما جدوى الحياة الإنسانية؟ وكيف ينبغي أن نأخذ بأسبابها؟ ولكن ثمة مسرحية واحدة أثبتت ديمومة استثنائية ومثَّلت نموذجاً لمسرح الأفكار برمته: "أركادية" (1993) للكاتب المسرحي البريطاني توم ستوبارد (1937)، "أعظم مسرحية في العصر الحديث" وفقاً لجريدة "ذي إندبندنت".

كان الناقد البريطاني كينيث تاينان قد وصف ستوبارد منذ ما يربو على ثلاثين عاماً بأنه "واحد من اثنين أو ثلاثة من أنجح كُتاب المسرح الحاملين لجواز سفر بريطاني". امتيازٌ لا يزال يصح حتى الآن. كثيراً ما تتحول مسرحيات ستوبارد إلى مهازل عن انتهاء الكون، مآسٍ لا تَنقصها الدعابة عما سيقع لو أخذ المرء الشِعر والعِلم مأخذ الجد، ولكنها تعكس في النهاية مواقفه الفلسفية تجاه الفن ورؤيته العبثية للحياة.

تصطبغ أحياناً بصبغة تراجيدية، أو بالأحرى تراجو-كوميدية، فهو يعتقد أن "الضحك هو صوت الاستيعاب". كان قد جاهر يوماً بأن مسرحية الأيرلندي أوسكار وايلد "أهمية أن تكون إرنست" (1895) "مهمة، ولكنها لا تقول أي شيء عن أي شيء". ومع ذلك لا يجد ستوبارد أن من الضروري أن يُلوح المسرح برسالة أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية، إذ تتكل نصوصه في الغالب على اللغة المبهرة والذكاء الخاطف وتجاور الأحداث التاريخية – الحقيقية أو المختلقة – في دوامة لا تكف عن الدوران بعد إسدال الستار. يؤمن كذلك بالفردية، ويؤكد نسبية كل الأفكار، إلا أنه يصر في الوقت نفسه على أن العالَم يضم حقائق أخلاقية مُطْلَقة تنبع في آخر المطاف من إله.


تيار التفاصيل

كثيرا ما تتحول مسرحيات ستوبارد إلى مهازل عن انتهاء الكون


غالباً ما يكدِّس ستوبارد في مسرحياته تلميحات تستمد نَهَمها من وقائع تاريخية يتلاعب بها – مهرج يقذف بكرات الرومانتيكية والكلاسيكية ومغزى الحياة. نلمح في مسرحيته "الواثبون" (1972) ملامح تأثره بكُتاب مسرح العبث البولنديين والتشيك، وفي خلال ثلاث ساعات يحشر العديد من الأفكار والضحكات والدموع، حتى إن أي محاولة لتلخيصها قد تتبدى عامرة بالتناقضات.

تنفَض مسرحيته "أركادية" في مستهل القرن التاسع عشر والقرن العشرين في الإقطاعة الإنجليزية نفسها. تتراوح مشاهدها بين الماضي والحاضر، دافعها الانهماك في طبيعة العقلانية العلمية والجنس – فالرغبة تسود بلا كابح أو عاطفة – وما إذا كان البشر يفقهون أي شيء! تبوح إحدى شخصياتها المعاصرة، وهو عالِم رياضيات، أن هذا العصر هو "أفضل عصر قد تحيا فيه حين يتضح خطأ كل شيء تقريباً اعتقدتَ معرفته".

يتقاطع الماضي بالحاضر في النهاية ليتكشف لنا أن ستوبارد لا يهدف إلى تصوير الناس، وإنما الحديث عن الأفكار. كان قد استلهم المسرحية من عدة كتب عن الفيزياء والرياضيات والبستنة وسيرة للشاعر الإنجليزي اللورد بايرون كتبها المؤرخ بيتر كوينيل. وبينما يمتد الحوار وكأنه مباراة كرة طاولة، يكافح الجمهور من أجل الإنصات.

قال ديفيد ليفو مخرج المسرحية ذات يوم، "لو اخترتَ حواراً من عشرة سطور – وهو ما يصح في حالة شكسبير وكذا توم – وجعلتَه بطيئاً أكثر مما ينبغي، لن يستوعبه أحد. ولو جعلتَه سريعاً أكثر مما ينبغي، ستلفي الكلمات ضبابية وستتقهقر مهزوماً من فرط الجهد. هناك سرعة طنانة لا تشوبها شائبة تلائم ما أؤمن به عن الكتابة المسرحية". وهكذا يتحكم ستوبارد في تيار التفاصيل، يَبلغ الطول المناسب والسرعة المناسبة بالترتيب المناسب.


جائزة بين - بنتر


يدرك ستوبارد تمام الإدراك أن التعبير عن آراء الفرد حق لا يزدهر مع قيود تفرضها الأنظمة الاستبدادية. كان قد زار روسيا عام 1977 برفقة أحد أعضاء منظمة العفو الدولية، ومن منطلق هذه التجربة، وبعد لقائه بالمغترب الروسي فيكتور فينبرج، نبعت مسرحيته "كل صبي مطيع يستحق صنيعاً" (1977) التي تدور في مصح عقلي في روسيا يضم عدداً من المنشقين السياسيين.

كانت أسرة ستوبارد قد غادرت تشيكوسلوفاكيا وهو في الثانية من عمره هرباً من النازيين، ثم فرَّت من دون أبيه من سنغافورة كي تتفادى الغزو الياباني الذي قتل أباه، وفي نهاية المطاف استقرت الأسرة في إنكلترا عام 1946. لا عجب إذن أن يناصر ستوبارد مضطهدي العالَم، ولا سيما كُتاب شرق أوروبا ممن أقاموا خلف الستار الحديدي.

ولأنه خاض مسيرة مسرحية حافلة بالإبداع وعبِّر عن "جسارة وصدق مُصِراً على سرد الأحداث كما وقَعتْ" مثلما وصفته الروائية جيليان سلوفو، حصل السير توم ستوبارد الفائز بوسام الإمبراطورية البريطانية وجائزة الأوسكار عن سيناريو فيلم "شكسبير يقع في الحب" (1998) على جائزة بين- بينتر، وسوف يتسلمها في المكتبة البريطانية بلندن يوم 7 أكتوبر القادم.
بوستر "أركادية": أيقونة المسرح البريطاني الحديث

تأسست الجائزة عام 2009 إحياءً لذكرى الكاتب المسرحي هارولد بينتر، وتُقدَّم سنوياً إلى كاتب بريطاني أو كاتب مقيم في بريطانيا يسدد – وفقاً لكلمات بينتر في خطاب تسلُمه لجائزة نوبل – نظرة "ثابتة لا إجفال فيها" إلى العالَم تعكس "عزماً فكرياً جباراً على تعيين حقيقة حيواتنا ومجتمعاتنا." سوف يشارك ستوبارد الجائزة كاتب عالمي شجاع كابد الاضطهاد سيختاره بالتعاون مع لجنة "كُتاب في خطر".

وعقب علمه بحصوله على الجائزة صرح ستوبارد أن بينتر هو أحد الأشخاص الذين جعلوه يرغب في كتابة المسرحيات، "احتل عمله صدارة أفكاري عن المسرح قبل أن أحاول كتابة مسرحية عام 1960. أدركتُ أني لا يجب أن أحاول كتابة مسرحية تشْبه مسرحياته، ولكنه صار – وظل – من نواحٍ أخرى، ومع انقضاء الأعوام، نموذجاً لأمانة لا تَعرف الخوف نشأتْ مؤسسة بين الإنكليزية للدفاع عنها".
14