أركان المأساة تكتمل في العراق مع تواري مظاهر الدولة

السبت 2014/06/14
عراقيون يواجهون التشرد في بلدهم بعد أن فقدوا سند الدولة

بغداد - تقارير دولية وشهادات ميدانية بدأت توثق مظاهر مأساة إنسانية غامرة في مناطق شاسعة من العراق بعد أن وجد المدنيون أنفسهم في وضع شاذّ متروكين لمصيرهم بعد الاختفاء المفاجئ لمظاهر الدولة والتفكّك الصادم للقوات المسلّحة.

قال شهود عيان إن غياب مظاهر الدولة بدأ يُلمس بوضوح في عدة مناطق عراقية، كانت شهدت فرار عناصر القوات المسلّحة أمام زحف المسلّحين الذين تمكّنوا خلال الأيام الماضية من السيطرة على محافظة نينوى وأجزاء من صلاح الدين وبدا أنهم يستجمعون قواهم للزحف على العاصمة بغداد الأمر الذي يثير حالة من الفزع بين سكانها في ظل انعدام ثقتهم بقوات الجيش والشرطة الآخذة في الانهيار والتفكّك.

وفي محاولة لمواجهة الوضع هرع رئيس الوزراء نوري المالكي إلى مدينة سامراء الواقعة على بعد 110 كلم شمال بغداد، حيث اجتمع مع قادة أمنيين وعسكريين في المدينة لتدارس إعادة جمع شتات القوات المسلّحة وتنظيم الدفاع عن عاصمة البلاد.

وبالتوازي مع ذلك توجّهت المرجعية الشيعية العليا في العراق بنداء لجمع المتطوعين، ما أثار مخاوف من نشوء قوات موازية أو بديلة عن القوات النظامية تتشكل على أساس طائفي.

وحث المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني أتباعه على حمل السلاح والدفاع عن أنفسهم في مواجهة تقدم المسلّحين في تصعيد خطير للصراع باتجاه اندلاع حرب أهلية.

وخلال صلاة الجمعة في مدينة كربلاء تليت رسالة من السيستاني دعا فيها الناس الى الاتحاد لصد تقدم المسلحين.

وقال الشيخ عبد المهدي الكربلائي نقلا عن رسالة السيستاني «المطلوب أن يحثّ الأب ابنه، وأن تحث الأم ابنها، وأن تحث الزوجة زوجها على الصمود والثبات دفاعا عن حرمات هذا البلد».

كما جاء في الرسالة «ومن هنا فان على المواطنين الذين يتمكنون من حمل السلاح ومقاتلة الارهابيين دفاعا عن بلدهم وشعبهم ومقدساتهم التطوع للانخراط مع القوات الامنية لتحقيق هذا الغرض المقدس».

وميدانيا تحدّث شهود عيان لوكالات أنباء ووسائل إعلام عن انعدام كامل للأمن في عدة مناطق بغرب العراق وشماله، وخصوصا على الطرق وفي الأرياف، وأن مخاوف على الأرزاق والأرواح تعم السكان، وتشل الأنشطة الاقتصادية ومظاهر الحياة العادية رغم محاولة المسلحين تطمين الأهالي الذين بدأ بعضهم يشكل لجان دفاع ذاتية تحسّبا لعمليات نهب وقطع طرق محتملة.

15 مليون دولار قيمة احتياجات إغاثية عاجلة

ويأتي ذلك في غمرة من الغضب الشديد من قبل شرائح واسعة من العراقيين على حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي وعلى القوات العاملة تحت إمرته واتهامات لها بالتخلي عن مسؤولياتها في حماية الأرواح والممتلكات.

وبالتزامن مع ذلك بدأت «المأساة الإنسانية» ترتسم في العراق وتوثّقها التقارير الدولية بشأن ضحايا الانهيار الأمني من المدنيين، وأفواج النازحين عن ديارهم وندرة المواد الغذائية والأدوية وغيرها من الاحتياجات.

وقالت منظّمة الهجرة الدولية أمس إنّ حوالي أربعين ألف شخص نزحوا من المعارك في تكريت وسامراء متوقّعة “أزمة إنسانية مطولة” في العراق، حسب ما أعلنت المتحدثة كريستيان برثيوم في لقاء صحفي في جنيف مؤكدة أن «الوضع متفجر جدا وأغلبية الناس حاليا تفر من المعارك».

وأفادت المنظمة أن 500 ألف مدني فروا من المعارك في الموصل، ثاني كبرى مدن العراق.

ويلفت مراقبون إلى أن هذا العدد ينضاف إلى أعداد كبيرة من النازحين كانوا فرّوا خلال الأشهر الماضية من ديارهم بمحافظة الأنبار وخصوصا مدينة الفلوجة التي ما تزال خارجة عن سيطرة الدولة. وأوضحت المتحدثة “في الموصل يتعذر الوصول إلى المستشفيات فيما تم تحويل المدارس والمساجد إلى عيادات مرتجلة لعلاج الجرحى. كما يصعب كثيرا على العائلات في غرب المدينة الحصول على مياه الشرب ويقتصر حصول جميع سكانها على الكهرباء على ساعات قليلة يوميا”.

كما صرحت منسقة أعمال الطوارئ للمنظمة في العراق ماندي ألكساندر بأن الوضع في العراق يتدهور ساعة بعد ساعة وأن الأزمة الإنسانية ستكون مطوّلة.

وتوقعت المنظمة ارتفاع عدد النازحين وهي تحتاج بسرعة إلى 15 مليون دولار لشراء وتوزيع مواد إغاثة و5000 خيمة وتطبيق برنامج لتحديد وتقييم حاجات النازحين. من جهة أخرى بدأ برنامج الأغذية العالمي عملية طارئة أولى لتوفير المساعدات الغذائية لـ42 ألف شخص من الأكثر ضعفا الذين نزحوا بسبب النزاع.

ونشرت المنظمة الأممية عمّال غوث وخبراء لوجستيين في أربيل بكردستان العراق لتحديد الحاجات الغذائية ميدانيا.

وفي مرحلة أولى سيوفر البرنامج حوالي 550 طنا من الأغذية شهريا بكلفة إجمالية تبلغ 1.5 مليون دولار. كما سيتم نقل الأغذية والمعدات بشكل عاجل جوا من دبي إلى اربيل، حسب المتحدثة باسم البرنامج اليزابيث بيرز. كما سينقل البرنامج مساعدات غذائية إلى العراق برا عبر تركيا. وأفادت المفوضية العليا للاجئين في الأمم المتحدة أن مئات الآلاف فروا باتجاه محافظتي اربيل ودهوك في كردستان. وصرح المتحدث ادريان ادواردز بأن “الكثيرين لا يحملون المال وليس لديهم من يلجأون إليه”، مشددا على الحاجة إلى الخيم.

ومن جانبه قال روبرت كولفيل المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أمس إن عدد الذين قتلوا في الأيام الأخيرة بعدما اجتاح المسلّحون مدينة الموصل العراقية يصل إلى المئات. وقال إن مكتبه تلقى تقارير تفيد بأن عمليات القتل شملت إعدام 17 مدنيا يعملون لدى الشرطة، إضافة إلى موظف قضائي بوسط الموصل.

وأضاف أن أربع نساء انتحرن بعد تعرضهن للاغتصاب. وقال المتحدث لدينا أيضا تقارير تشير إلى أن القوات الحكومية أقدمت على قصف مناطق مدنية مأهولة مما أدّى إلى مقتل 30 مدنيا.

3