"أركض طاويا العالم تحت إبطي" طريقة مدهشة لاكتشاف الوجود

يقدم الشعر العربي الجديد وخاصة ما يكتب من قصائد نثر وجها مختلفا للشعرية العربية، متحررا من الأنماط والقيود السابقة سواء الشكلية أو حتى في ما يعنى بمضامينه، حيث بات الشاعر العربي أكثر تجذرا في واقعه، محولا أشد الأشياء والعوالم بساطة وهامشية إلى عوالم شعرية تتخذ من البساطة منفذا إلى العمق، ومن المهمل مناخات تعيد للشعر بيئته التي أبعده عنها التكلّف الذي رافقه لقرون. وهذا ما نجده جليا في ما يكتبه خاصة شعراء الجيل الجديد.
السبت 2017/05/13
العالم يبدأ من القصيدة وينتهي فيها (لوحة للفنان غسان السباعي)

لعلّ تجربة الشاعر المصري محمد القليني في مجموعته “أركض طاويا العالم تحت إبطي” الحائزة على جائزة معرض الكتاب بالقاهرة لهذه السنة، دليل على ما للشعر المصري الجديد من مناخات مختلفة ورؤى مجددة.

في هذه المجموعة يطلّ علينا القليني من نافذة أخرى، هي نافذة كناّ نظنّها مرسومة بالطباشير على جدار، فكيف انفتحت له؟ هنا تكمن الدهشة التي تخلّفها نصوص هذا الشاعر في نفس قارئها، وهنا مكمن ألعابه السّحرية داخل بيت اللغة.

ألعاب الميتاميرفوزس

يبدأ الشاعرُ لعبته الشعرية بإيهامنا بالواقع: اسمي محمد القليني، أكتبُ الشّعر، وأعملُ في شركةِ ملابس. يبدو هذا تقديما عاديّا يمكن أن نسمعه من أيّ شخص عاديّ يقدّمُ نفسه، لكن مجرّد إشارته إلى العلاقة بين الملابس والقصائد تخلق رجّة الدهشة الأولى في القارئ، وارتطام أوّل نيزك شعريّ في بحيرة اللّغة الراكدة. يقول: ليس بين الأمرين أيّ تعارض، فثمّة مخزن كبيرٌ، أكدّسُ فيه قمصاناً مستوردة يتهافتُ النّاسُ على شرائها. وثمّة قلب أكبر، أخزن داخله قصائد، لا تجدُ لها مشتريا.

بين متناقضات هذا العالم الاستهلاكي يحاول الشاعرُ الحياة، وهو يحتمي بالطّفل داخله من خلال الشعر العفويّ البسيط، بعيدا عن التّكلّف اللّغوي الذي سقط فيه الكثير من شعراء ما بعد الحداثة.

من وظائف الشّعر إعادة تشكيل العالم، وذلك بخلق علاقات جديدة بين الأشياء، وهتك العلاقات الجاهزة، وهذا ما تفعله قصيدة القليني دون ضجيج لغويّ، فالشاعر يكتفي بعرض تفاصيله اليوميّة بهشاشتها وبساطتها دون الإيغال في الرّموز واللّفّ بالمجازات، فقط هو يكتفي بفرك المفارقات اللّغوية ببعْضها لتحدث الشّرارات الشّعرية، على رأي الشاعر الجزائري عمّار مرياش إنها طريقة أخرى لاكتشاف العادي. يشتغل القليني على المألوف في اللّغة، والمجترّ منها، مثل تحايا الصباح في الشوارع، وحديث المقاهي، وعناوين الصحف، وأخبار التلفزيونات والإشهار.

قصائد تحول كل شيء من حولها إلى شعر

ويعيد إخراجها في سياقات جماليّة مدهشة، إنه يفعل تماما كالتّشكيليين الذين يوظّفون الخردة في أعمالهم الفنّية، مقابل ذلك هو يعوّل كثيرا على بنية نصّه، إلى حدّ أنّ مجرّد حذف كلمة من النّص يُخلّ ببنائه تماما، والكتابُ كلّه كان مبنيّا بدقّة منذ السّطر الأوّل إلى آخر سطر فيه، بطريقة تتنافذُ فيها النّصوصُ، وبأسلوب يجمع بين المتانة والتّناسق.

من الألعاب الشعريّة التي وظّفها الشاعر في مجموعته “طاويا العالم تحت إبطي”، الصادرة عن دار العين بمصر، ألعاب الميتاميرفوزس، وقد تفنّن فيها الشاعرُ، وأخرجها من سياقاتها العقائديّة القديمة، إلى سياقات شعريّة تخييليّة، فخلق من خلالها علاقات مستفزّة داخل اللّغة، وصنع منها متاهات مدوّخة لقارئه، فهو يتحوّل من شجرة تبسط ذراعها للطّيور إلى حقيبة سفرٍ في حياة أخرى إلى بالون جوار العصفور، وهو البحر في قصيدة أخرى والجدار في قصيدته “جداران” الذي تُعلّق عليه الأمّ صورة الأب المرحوم وتتداول عليه الأدوار من الطّلاء إلى الخدش.

وفي هذه القصيدة يخرج الشّاعر من لعبة التّحوّلات إلى الأمثولات، فهو لمْ يتحوّل إلى جدارٍ وإنّما حُوّلَ جداراً، وما أكثر الجدران في الحياة، يقول بما يشبه الاستنتاج في آخر القصيدة “لأنّك نافذةٌ لمْ تُفْتح من قبل، فلنْ تعرف الفرقَ بيْنك وبين ال…جدار.”.

القصيدة عالم

العالمُ عند القلّيني يبدأ من القصيدة وينتهي فيها، فالبيت الشعريّ يصلحُ للسّكن، والفواصلُ والنّقاطُ إشارات للسّير والتّوقّف في الحياة، والكلمات عنده أدوات فعل لا أدوات قوْل، فكلمة “بحر” تُغرق السفن، وكلمة “شجرة” تُؤوي العصافير، وكلمة “معطف” تُلبسُ العراة… يقولُ في نصّ “موسيقى ميّتة فوق جيتار مهشّم”: أنا شاعر فقير جدّا، حين يجوع أطفالي أدسّ في حلوقهم قصائد طازجة، وحين تخاف زوجتي من المستقبل… أخبّئها في هامشِ أحد النّصوص الرّديئة.

تاريخ الإبداع في مصر محفوف بأفكار المحنّطين، منذ التّوحيديين في العصر الفرعوني إلى طرد المفكّرين والشعراء في العصر الحديث، وهذا ما أغرق الإبداع في مصر في جوّ ديني أخلاقوي ثقيل، والغريب أنّه تجاوز عقول السّاسة ورجال الدّين إلى المثقّفين والمبدعين أنفسهم، فجمْلة العقّاد التي فسخت اسم حجازي من قائمة الشعراء هي سوْط مؤدّب أكثر منها إشارة مبدع، وكتاب حجازي ضدّ قصيدة النثر هو كذلك وهذا من المفارقات العجيبة حقّا، وقد سخر القلّيني من كلّ هذه الأفكار الحاضرة في صورة النّاقد المتسلّط، ورفع صوته في وجهه في أكثر من نصّ، بأسلوب يغلب عليه التّهكّم أكثر منه احتجاجاً، يقول في هذا النصّ: أغلقي بابَ القصيدة وراءك، وتعالي، ففي الخارج نقّادٌ يتلصّصون على الشعراءِ ويفضحون أخطاءهم، أذكرُ أنّ أحدهم علّقني من قدميّ ذات مرّة في سقفِ مقالٍ نقديٍّ حادّ.

16