أرمن بيروت لا يعرفون النوم خارج منازلهم

جمعية خيرية تأمل في إصلاح 600 منزل لا تعود فقط للأرمن، كما أنها توزع 1500 وجبة غذائية أسبوعيا على العائلات المنكوبة في برج حمود ومار مخايل.
الخميس 2020/09/24
مهاجرون يتكفلون بترميم بيوت دمّرها الانفجار

من يسكن بيروت لا يستطيع فراقها أو نسيانها حتى في أشدّ أزماتها، فالأرمن الذين استقروا فيها يرفضون اليوم هجرتها بل يرفضون حتى ترك منازلهم التي دمرها الانفجار الغاشم بعد أن قضوا فيها أعمارهم، وهاهم اليوم يحاولون ترميمها بمساعدة المجتمع المدني حتى لا يتركوا ذكريات الصغر تضيع من الجدران.

بيروت – خطّطت فاني بانديقيان طويلا للسفر احتفالا بتقاعدها العام الحالي إلى أن وقع انفجار مرفأ بيروت فأطاح بأحلامها، وبدلا من التجوّل حول العالم، تتمسك اليوم بمنزل بناه والدها بعدما أفقدته الكارثة الكثير من سحره الأثري.

وبعد مرور شهر ونصف على انفجار الرابع من أغسطس لا يزال عمّال إحدى المنظمات الأرمنية يأتون يوميا إلى المبنى الأثري من ثلاثة طوابق، والذي يعود بناؤه إلى ثلاثينات القرن الماضي، لإصلاح ما خلفه الانفجار، إذ تكسرت جميع أبوابه الخشبية القديمة ولم يتبق أيّ من نوافذه على حاله.

بانديقيان واحدة من المواطنين الأرمن كبار السن الذين يسكنون منذ عقود في منازل قديمة في الأحياء القريبة من المرفأ، والتي طالتها أضرار جسيمة جراء الانفجار، ويعتمدون حاليا على منظمات غير حكومية لإعادة تأهيل منازل عاشوا فيها منذ الطفولة.

وتقول فاني “لا أريد أن أترك هذا البيت أبدا، أشعر أن حجارته تتكلم معي”.

وتضيف معلمة اللغة الفرنسية المتقاعدة بعد 58 عاما من العمل، “اتصل بي أصدقاء كثر ليقترحوا عليّ الانتقال للسكن لديهم، لكني لم أستطع. كيف لي أن أترك منزلي مشرّع الأبواب؟”.

وانطلاقا من منزل فاني، يمكن سماع أصوات المطارق والمثاقب الكهربائية تأتي من كل حدب وصوب من الشوارع الضيقة في حي الجعيتاوي، حيث تنهمك منذ أسابيع منظمات غير حكومية وسكان في أعمال إعادة تأهيل أو ترميم ما أمكن من المنازل المتضررة.

وأخذت الجمعية العمومية الخيرية الأرمنية، المعنية بدعم الأرمن في مناطق الانتشار والتي تأسست في العام 1906، على عاتقها ترميم ما أمكن من المنازل، وبينها شقتا فاني وشقيقتها التي تقطن في المبنى ذاته.

التآزر أقوى من الدمار
التآزر أقوى من الدمار

وتقول فاني، “الأضرار جسيمة جدا، وأكبر من قدرتنا على تحمّل كلفتها وحدنا”.

وبعد الانفجار، دعاها أقرباء لها للانتقال إلى الولايات المتحدة والعيش معهم، إلا أن حلم السفر، الذي طالما راودها للسياحة والنقاهة، لم يعد من أولويتها، وتضيف “أشعر فعلا بأنني متجذرة في لبنان”.

ويقطن في لبنان نحو 140 ألف أرمني، وهو التجمع الأكبر لهم في العالم العربي، وجزء كبير منهم يتحدّر من ناجين من إبادة الأرمن في العام 1915.

ويسكن جزء كبير منهم في منطقة برج حمود بضواحي بيروت الشمالية، كما في حيّي الجعيتاوي ومار مخايل، وهما من المناطق الأكثر تضررا جراء الانفجار الذي أوقع أكثر من 190 قتيلا و6500 جريح.

وترفض بيرجوهي كسباريان رفضا قاطعا مغادرة منزلها الصغير الذي انتقلت إليه مع عائلتها عندما كانت طفلة في العاشرة من العمر ويقع في حي الجعيتاوي.

وفي الثامن من الشهر الماضي، احتفلت بيرجوهي بعيد ميلادها التسعين، أي بعد أربعة أيام فقط من سقوط خزانة المطبخ فوق رأسها جراء الانفجار فأصيبت بجروح في صدرها ما تطلب نقلها إلى المستشفى إنما في اليوم التالي لاكتظاظ المستشفيات بعد وقوع الكارثة.

وبالرغم من ذلك تجلس بيرجوهي، السيدة النحيلة، في منزلها اليوم بكل هدوء بعدما أصلحت الجمعية العمومية الخيرية الأرمنية بعض الأضرار فيه.

وتقول السيدة التي شهدت على حروب وأزمات عديدة، “أشعر بالحزن تجاه بيروت.. أشفق على الجيل الشاب، لقد خسر الشباب مستقبلهم وحياتهم وحتى منازلهم، وها هم الآن يرحلون”.

أما بيرجوهي التي يعيش أولادها الثلاثة في الخارج، فلا ترغب بالرحيل، بل تفضل السكن إلى جانب جارتها الأرمنية أيضا، التي تهتم بها ولا تتركها وحيدة في منزل ملأته بصور العائلة وبأغطية بيضاء حاكتها بيدها تزيّن بها الطاولات والأرائك. وتقول “سافرت كثيرا، وزرت ولدّي في الولايات المتحدة وابنتي في لندن مرات عدة، لكني أفضل دائما أن أعود إلى هنا”.

وتضيف “ستعود الأمور إلى مجراها، كل دولة لديها مشاكلها”.

بيروت لها نساؤها ورجالها
بيروت لها نساؤها ورجالها

ومنذ وقوع الانفجار، تمكنت الجمعية العمومية الخيرية الأرمنية من إصلاح العشرات من المنازل، وتتوزع فرق عمالها حاليا على 80 منزلا آخر، وفق ما تقول المديرة التنفيذية أرين غزاريان.

وتأمل الجمعية في إصلاح 600 منزل لا تعود فقط للأرمن، كما أنها توزع 1500 وجبة غذائية أسبوعيا على العائلات المنكوبة في برج حمود ومار مخايل.

وفي منطقة برج حمود، كان سيبو ترزيان يجهد منذ فترة للحفاظ على مستوى معيشة جيّد في دار المسنين الذي يديره بالرغم من الأزمة الاقتصادية الحادة التي يشهدها لبنان منذ عام. فكيف له اليوم أن يجد 22 ألف دولار لإصلاح المبنى الذي تضرر جراء الانفجار؟

ويقول ترزيان “تعهد مواطن أرمني بأن يقوم بإصلاحه” وقد أرسل أشخاصا من قبله للاطلاع على الأضرار، بأمل أن يبدأوا العمل قريبا.

وتتلقى دار المسنين، حيث يقطن 119 شخصا، مساعدات غذائية أيضا من منظمات غير حكومية.

ويعتمد ديكران (58 عاما)، الذي يعمل في الحدادة، اليوم على المساعدات الآتية من منظمات أيضا.

وباتت أعمال الترميم على وشك الانتهاء في منزله المطل على إهراءات القمح المدمرة في مرفأ بيروت.

وفي هذا المنزل الذي وُلد ونشأ فيه وفقد زوجته ليزا جراء الانفجار، وإليه سيعود قريبا مع ابنيه المراهقين.

ويقول بصوت هادئ “مجبرون على العودة، إلى أين نذهب؟.. أعلم أن الموضوع صعب على ولديّ، لكن لا أعلم ما الذي باستطاعتي أن أفعله”.

ويشير بيده إلى زاوية المنزل حيث وجد ليزا مطروحة أرضا. ويشيح بنظره بعيدا، ويتابع “من حيث المبدأ، يفترض أن يكون المنزل هو المكان الأكثر أمنا لك، لكن الناس هذه المرة ماتت في منازلها”.

جدران تحفظ ذكريات العمر
جدران تحفظ ذكريات العمر
هل تعود الأمور إلى مجراها؟
هل تعود الأمور إلى مجراها؟

 

20