أرمن وأتراك ومغامرة حب بين لندن وحلب في "فندق بارون"

السبت 2014/06/07
يصوّر عبدو خليل بداية الاحتجاجات في حلب

يستهلّ السوريّ عبدو خليل روايته “فندق بارون”، الصادرة عن دار “الآداب”، برسالة وجّهتها امرأة بريطانيّة إلى ابنتها تكشف لها فيها عن جذورها الشرقيّة، وتبوح لها بجانب من اللغز الذي ظلّ يؤرقها ويدفعها إلى السؤال والنبش دوماً. فندق بارون يكون مسرح أحداث الرواية مكانيّاً، يشكّل البؤرة المركزيّة للتقاطعات بين الشرق والغرب، وهو بدوره يؤرّخ للمغامرات والرحلات التي خاضها القادمون من الغرب وبعض من أبناء الشرق.

يحاول عبدو خليل أن يلتقط إرهاصات الثورة في حلب، وخاصّة بعد بدء الاحتجاجات في البلاد بشهور، والهدوء الذي كان يسود حلب ويبقيها بعيدة عن دائرة الثورة ونيران النظام آنذاك، وكيف أنّ ذلك النأي بالنفس لم يدم لفترة طويلة، بل دفع المدينة إلى دوّامات من العنف وأبقاها في مرمى نيران النظام، ثمّ ميداناً لبراميل الحقد المتفجّرة لاحقاً.


بحث عن المجهول

الرواية التي نشرتها دار الآداب مؤخّراً بالتعاون مع محترف نجوى بركات للرواية في دورتها 2013 / 2014، تسعى إلى تقديم تصوّر معاصر عن وجهات نظر متبادلة بين الشرق والغرب، ويكون التداخل بين الجهات، والأفكار، والتصوّرات مدخلاً لولوج عوالم المدن ودواخل بنيها أيضاً.

هيلين؛ الفتاة البريطانيّة ذات الخمسة والثلاثين عاماً تقرأ رسالة والدتها كاترين، تتمعّن في كلماتها، ولا تتردّد في الإقدام على خوض مغامرة بحثها عن جذورها عسى أن تعثر على أبيها المجهول. يكون الإشكال لديها في أنّ أمّها تذكر لها أسماء ثلاثة رجال في حلب “إسماعيل آغا، بكري، إسحق”، وتبقيها نهباً للتخمينات والشكوك، وتبقي دائرة البحث مشرعة على المجهول أيضاً، ولاسيّما أنّ الفترة التي تفصلها عن ذاك التاريخ تشكّل عقبة حقيقيّة، لأنّ هناك متغيّرات كثيرة تعرّضت لها البلاد من مختلف النواحي.

البحث عن الأب المفقود يقود هيلين إلى مجاهيل حلب. قبل ذلك تحضّر لرحلتها الغامضة إلى الشرق، وتراها حين تخبر صديقتها ليزا بمشروعها تحاول أن تبدو متماسكة أمام المجهول الذي ستخوض فيه.

يسلط الكاتب الأضواء على عدة قضايا مثل قضية الأرمن والمجازر التي تعرضوا لها على يد الأتراك في القرن العشرين

رحلة بين المجاهيل تغامر هيلين بخوضها وتجربتها، هي التي ظلّت تسأل عن أصولها ووالدها الحقيقيّ الذي يغدو طيّ النسيان بحكم الزمن والأحداث الكثيرة المتعاقبة التي غيّرت الخارطة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة في البلد.

يستعيد الكاتب سيرة الأمّ التي زارت الشرق في سبعينات القرن العشرين، وعاشت أيّاماً ملؤها الانطلاق والحبور والمغامرة والحرّيّة، خالطت رجالاً من حلب، سهرت معهم، استمتعت بأيّامها في فندق بارون الذي كان مركزها، وغدا مركز ابنتها التي حاولت أن تسترجع أيّام أمّها بالإقامة في الغرفة نفسها، والتعرّف إلى العوالم التي عاشت فيها، عساها تستدلّ إلى رأس خيط يكشف لها أسرار جذورها ووالدها المفترض.

هيلين لا تكون ابنة ضالّة تعود إلى كنف والدها المجهول، بل هي نفسها تكون مجهولة لمَن يفترض أنّه قد يكون والدها، ويكون الثلاثة الذي تذكر أمّها أسماءهم قد رحلوا وغابوا كلّ واحد منهم بطريقة مختلفة، سواء بفعل الزمن والموت أو بحكم الصراع الذي شهدته حلب في الثمانينات، والعدوان الذي تعرّضت له من قبل السلطة لمعاقبتها على تمرّد البعض من أهلها.


أرمن وأكراد


العجوز كارو بدوره يكون ذاكرة الرواية في شقّها المتعلّق بحلب، وهو الذي يبلغ من العمر أكثر من ثمانين سنة، يتذكّر مَن أقاموا بفندقه ومَن مرّوا بالأسماء والتفاصيل، يبوح لهيلين رويداً رويداً ببعض المعلومات، يدلّها على رؤوس خيوط تفسح لها كوّة من الأمل كلّ مرّة، يقدّم لها بعض النصائح كخبير عارف، ويتكتّم على بعض الأمور التي يحتكرها لنفسه، يستمتع بأسراره اللذيذة، والتي تحرص هيلين على كشفها وإزاحة النقاب عنها تالياً.

سرّ العجوز كارو، الذي يتكتّم عليه في قبو فندقه، هو احتفاظه بسراويل نساء كثيرات مررن من فندقه، وأثّرن فيه ونقشن وشوماً في ذاكرته وروحه، ينشر سراويلهنّ التي يدوّن عليها أسماء صاحباتها بالأرمنيّة، يستمتع بدفء القبو وحميمية تلك الأقمشة وروائحها. وذاك السرّ يكون مفتاحاً لفهم شخصيّة كارو والعنّة التي تهيمن عليه، وتقعده عن المبادرة والقيام بأيّ فعل جنسيّ، وكأنّ ما تعرّض له من عذابات جرّدته من القدرة، وأبقته سجين أحزانه وذكرياته.

يسلّط خليل الأضواء على عدّة قضايا في سياق سرده للأحداث، فهناك قضيّة الأرمن والمجازر التي تعرّضوا لها على يد الأتراك في القرن العشرين، والتي راح ضحيّتها مئات الآلاف، وذلك من خلال شخصيّة العجوز كارو الذي يتشبّث بجذوره ولغته وأصالته، ويحكي للمحيطين به عن أقاربه الذي تاهوا وضاعوا وفقد أثرهم، وعن أخيه الغائب، وعن مأساة الأرمن المتعاظمة منذ قرابة قرن من الزمن. بالموازاة مع قضية الأرمن ومآسيهم، يستحضر الكاتب بعض التفاصيل عن المسألة الكرديّة في سوريا، عن واقع حياة الكرد في بلدهم، والتهميش الذي تعرّضوا له، يكون مسباره إلى ذلك شخصيّة أبو الريح الذي يدخل السجن لعشرين سنة لقتله أحد الذين شتموا زعيمه. أبو الريح الذي يحتلّ حيّزاً كبيراً من الاهتمام في الرواية يتعرّض لمتغيّرات كثيرة في شخصيّته، ينتقل من فتى مشاكس إلى مبشّر بالخلاص ومدافع عن القضية ثمّ يدخل السجن.


أبواب حلب وساحاتها

يبقي خليل إضاءة على واقع شرائح مختلفة في المجتمع الحلبيّ، إذ يسوح ببطلته هيلين بين الريف والمدينة، يطلّ على عفرين وبعض تفاصيل حياة الناس هناك، يصف الضغط والكبت والقمع الذي يسود ويتسبّب في كثير من المشاكل الاجتماعيّة، والنفسيّة.

كما يطلّ على الجانب الحميم في حياة بعض نسوة المدينة، من خلال منار التي تستدرج هيلين إلى بيتها، وفخاخها، وتكون الوجه الشرقيّ للزيا صديقة هيلين، تعيش معها مغامرات شبقية، تروي جوعها الجسديّ، وقد ثبت لها أنّ الجسد يتحكّم بالسلوك ويجبر على القيام ببعض التصرفات، ولاسيّما حين يقع تحت سطوة الجمال والغريزة.

ثنائيّة الشرق والغرب تكون الأكثر حضوراً وبروزاً في الرواية، فهيلين ابنة الغرب بكلّ معنى الكلمة، ترتبط بالشرق عبر جذور تجهلها، وحين تحاول تمتين علاقتها بالشرق تقابل بمعوقات كثيرة، وتجد البلاد غارقة في مستنقعات الجهل والتجهيل، ورغم محاولاتها الحثيثة للتشبّث بمسعاها للوصول إلى والدها الحقيقيّ إلّا أنّها تضطرّ للاعتراف بقوّة الواقع أمام سطوة الحلم.

تقرّر هيلين العودة إلى بلادها بعد تجربة سجن مريرة، قصيرة، تتعرّض لها إثر اعتقالها من قبل قوّات النظام، والشكّ بأنّها صحافيّة متعاونة مع “الجماعات الإرهابيّة”، تجد نفسها في مواجهة مع سلطة تتعامل بعنف منقطع النظير مع الآخرين.

حلب بحاراتها وأبوابها وساحاتها وميادينها تحتلّ صدارة الاهتمام في “فندق بارون”، فكلّ ما في حلب يبشّر بالجمال وينذر بالدمار في الوقت نفسه، مدينة تشتمل على التناقضات، تبدو منفتحة، مقابل الانغلاق الصادم الذي يعرَف عنها. مدينة تحوي مزيجاً من بشر حالمين وواهمين وثوريّين وتجّار.

يأتي تصوير الكاتب لبداية الاحتجاجات في حلب بتلك الطريقة العنفيّة ليظهر جانب الثأر والانتقام الذي يسود في المدينة، بين الشبّيحة والثوّار، والسلطة والمدينة والتاريخ والمستقبل. ويشير إلى منهجية التعاطي مع المدينة التي تأخّرت في الالتحاق بركب الثورة، ومعاقبتها بتدميرها ونسفها.

17