أرنب الآنسة بوتر

السبت 2017/04/22

لا تخلو مكتبة أطفال أو مدرسة ابتدائية ولا ابتسامة لطفل بريطاني من ملامح الأرنب “بيتر”؛ صديق الآنسة بوتر ورفيق درب إبداعها الطويل.

هذا الأرنب خفيف الظل الذي أحبته الفتاة الصغيرة وخلدته في قصص ورسومات حملت توقيع بوتر؛ وهي كنية عائلتها التي حافظت عليها بعد أن رفضت الارتباط طويلاً بسبب وفاة حبيبها وحتى بعد أن تزوجت من رجل آخر، كان رفيقاً وصديقاً مخلصاً رضي بأن يكون الرقم الثاني في حياتها، بعد أن وضعت فنها وإبداعها وطموحها اللامتناهي في المرتبة الأولى.

في طفولتها، تعرفت بياتريكس بوتر؛ كاتبة قصص الأطفال البريطانية، على الأرنب بيتر وكان صديقها المقرب الذي لم تفارقه حتى في عطلاتها الصيفية التي كانت تقضيها مع العائلة في الريف الأسكتلندي، وكان الأرنب بيتر من النماذج الأولى التي تتلمذت عليها فعكستها بموهبة نادرة في الرسم لا تقل عن موهبتها في الكتابة.

الأرنب بيتر كان من أشهر الشخصيات التي اخترعتها بياتريكس، والشخصية الأكثر شهرة في أدب الأطفال الإنكليزي على الإطلاق وفي أماكن كثيرة من العالم، حيث تركت بوتر تراثاً قصصياً جميلاً من عشرات القصص والرسومات وأكثر من 23 رواية للأطفال، لعبت حيواناتها الأليفة أدواراً رئيسية فيها.

عملت بوتر (1866 - 1943)، على تحويل تفاصيل حياة حيواناتها الأليفة إلى حكايات مصورة خيالية، غالباً ما كان الأطفال يسمعون حواراتها ويلمسون أحداثها بأيديهم وكأنها واقع، حتى خُيّل لعشاقها من الأطفال بأن رسوماتها أوشكت في بعض الأحيان أن تتحرك، وكانت الكاتبة قد عكست في كتاباتها حبها للطبيعة ومخلوقاتها، فاهتمت بالزراعة ورعت قطعان الخراف وعُرفت كباحثة دؤوبة في علم النبات والفطريات، حيث أنجزت المئات من رسومات النباتات التفصيلية وجوبهت بعض أبحاثها الأولية بالرفض، لكونها امرأة لم يكن المجتمع البحثي في حينها يتقبل مساهماتها، مثلما حدث الأمر عندما قدمت قصتها الأولى والتي رفضها العديد من الناشرين، الأمر الذي اضطرها إلى طباعة نسخ محدودة بنفسها، وزعتها على المعارف وأفراد العائلة.

كانت بياتريكس في الثلاثين عندما نشرت كتابها الأول “حكاية الأرنب بيتر”، ثم توالت حكاياتها؛ السنجاب نوتكين، القط الصغير توم، قصة السيدة مابيت وغيرها الكثير. لم تتوقف عند التأليف والرسم والنشر، بل سعت إلى تحويل شخصيات قصصها إلى مقتنيات تجارية، أهمها على الإطلاق دمية الأرنب بيتر التي صممتها ونفذتها بنفسها لتصبح أول شخصية في عالم الأدب، تتحول إلى منتج تداوله الصغار من محبي القصص المصورة بشغف قلّ نظيره!

كانت بياتريكس امرأة حازمة ومتمردة وتقع في الحب بطريقة غير معتادة، وللحب في حياتها مراحل ومحطات أهمها على الإطلاق، حبها لكل ما يتعلق بالطبيعة التي كانت تراها بعيون فنانة رقيقة، الطبيعة التي علمتها أن تكون طموحة وسخية إلى أقصى الحدود. ولهذا، وبعد أن وفرت لها مبيعات كتبها إيرادات سنوية لم تكن تتوقعها، استطاعت بياتريكس أن تمتلك العشرات من المزارع المحلية التي أنقذتها من عمليات التطوير وجشع المضاربين، تماشياً مع الثقافة الريفية لمنطقة البحيرات التي قضت فيها ما تبقى من حياتها، تكتب وتتأمل في جمال الطبيعة، ثم تركت معظمها إرثاً مشاعاً لأبناء شعبها وبعضها تحول إلى متنزه وطني يعد مقصداً لعشاق الطبيعة.

اليوم، مازالت كتب بوتر تحقق رواجاً كبيراً في حين حققت قصة الأرنب بيتر وحدها مبيعات وصلت إلى 45 مليون نسخة، ومازال الناس يتأملون من خلال رسوماتها فنها، ومن مقتنياتها روحها التي لا تقهر، هي روح لامرأة مختلفة عاشت في الخيال أكثر من الواقع، فوجدت فيه سكناً آمناً وعزاءً عن كل ما خسرته مقابل تفردها وإيمانها بنفسها.

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21