أرنب تحت الأضواء الساطعة

السبت 2016/01/30

عندما قال لها الطبيب بعد تردد قصير “نحن في ورطة”، أدركت روينا كينكايد، المصورة الصحافية البريطانية، بأن حياتها قد تغيرت تماما وبأنها بدأت للتو رحلتها الأخيرة في الوقت الضائع.

بدأت روينا معركتها مع المرض مبكرا، حين أصيبت بسرطان الثدي ولم تزل في سن الـ33 لكنها علمت مؤخرا بعد أن قطعت شوطا كبيرا في العلاج وما زالت تفصلها عن سن الـ40 شهور قصيرة، بأن المعركة توشك على نهايتها.

منذ أعوام، وفي المرة الأولى التي أخبرها الأطباء فيها بإصابتها بالمرض، أحست روينا للحظة وكأن صخرة ثقيلة قد سقطت على رأسها فجأة، وبين يوم وآخر تفتتت الصخرة إلى قطع حجارة صغيرة وحارقة بعد أن علمت بأن العلاج الهورموني لن يجدي معها نفعاً لأن نوع السرطان الذي أصيبت به كان نادرا.

كانت والدتها قد توفيت بالمرض ذاته قبل أعوام، لذلك دخلت روينا رحلة العلاج المقيتة بتفاصليها المرة بذهن غائب؛ علاج كيميائي، غثيان، تساقط الشعر، هلوسة وغيرها من المشاهد الكابوسية التي بدت لها وكأنها شريط مكرر عن رحلة عذاب والدتها التي سبق أن لعبت فيها دور المتفرج، لكنها اليوم تلعب دور البطولة وتمط خطواتها ببطء على مسرح الحياة، فتشعر وكأنها “أرنب مذعور تحت الأضواء الساطعة”، وقد تحولت أيامها إلى عجلة مجنونة ومسرعة لا تستطيع إيقافها، فهناك المزيد من الأشياء التي لم تنجزها بعد والكثير من الأحلام التي تنتظر.

بعد فترة من العلاج، ظنت روينا بأن المرض تلاشى وأن كل ما سبق لم يكن سوى امتحان عسير تجاوزته بنجاح ساحق، لكن الكابوس عاود هجومه بعد ثلاث سنوات بشراسة أكبر، وانتشر المرض في بقية أعضاء جسدها مثل إشاعة سخيفة فاستيقظت ذات يوم لتسأل طبيبها “هل سأعيش إلى الغد؟”، فيجيبها ببساطة وهو يقلب أوراقه التي تحمل مشاريع مؤجلة لجثث “نعم، ولكن ليس أبعد من شهور”. تنحصر أمنيات روينا في هذه اللحظة بالبقاء على قيد الحياة حتى سن الأربعين، أمنية تبدو مثل لحظة شفيفة من فرح يصعب الإمساك بها.

توفر بعض مراكز الأبحاث للسيدات من ذوات التاريخ المرضي العائلي فحصا جينيا، بعد أن ثبت بأن نسبة لا بأس بها من إصابات السرطان وراثية، لكن هذا النوع من التقصي الجيني ليس بمتناول الجميع كما أن هذا النوع من المراكز يعتبر ترفاً، مع افتقار مراكز علاج السرطان في دول العالم المنكوبة للعلاجات الروتينية البسيطة. في العراق مثلاً وعلى حد علمي، لا يوجد مستشفى تخصصي لمعالجة الأورام السرطانية غير مستشفى “الطب الذري” في بغداد، أما بقية المنشآت الصحية في عموم العراق فلا تتعدى كونها مراكز صحية عامة.

وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات دقيقة عن عدد الإصابات، لكن بعض المصادر الطبية تشير إلى أن الإصابة بسرطان الثدي وحده شكلت تزايدا ملحوظا في الآونة الأخيرة.

أم إبراهيم، أرملة عراقية وأم لأربعة أطفال تعاني من السرطان منذ شهور، تعثرت في العلاج كثيراً لعدم قدرتها على دفع التكاليف الباهظة، فكل ما تملكه راتباً تقاعدياً لزوجها المتوفى، وهي بالكاد تستطيع أن تؤمن به نفقات معيشتها وأطفالها الذين يساعدونها أحياناً ببيع بعض السلع في تقاطعات الطرق. لهذا، استسلمت الأرملة لمصيرها بعد أن عجزت عن توفير ثمن سيارة الأجرة التي تنقلها للمستشفى، وها هي تقضي أيامها في انتظار النهاية.

أحببت روينا كثيرا وتابعت أخبارها، لكني توقفت عن ذلك فور سماعي بانتكاستها الثانية، ربما تكون قد استسلمت وخسرت معركتها الثانية مع السرطان، لكن أم إبراهيم الأرملة العراقية لم يسمح لها حتى بإعلان الحرب!

21