أرواح الغَرْقَى

الأحد 2015/10/18
بريشة حسين جمعاء

ذئاب

كادَ لنا الموتُ

واختطفْنا أرواحَنا من يديه

بشراسةِ العشيقات.

أخذْنا أجسادَنا عُنوةً من ظلامِ البئر،

سحبْناها بصوتِ المحبوب،

نبّهْنا الهواء،

راقبْنا الطوفانَ وهو قادم،

اقتتلْنا

والسفينةُ مخروقةٌ من كلِّ صوب.

لن أضعَ رأسي

بين قبورِ الغرقى

النائمينَ في سريرِ الماء.

أجرُّ جثتي وأنفخُ فيها،

لن أغفو

قربَ هذه العشبةِ المسمومة،

لن أدعَ الرمادَ يشلُّ كلماتي،

أعرفُ هذا السُّمَّ البطيء؛

صحراءَ تتلوَّى وتبثُّهُ في دمِنا.

سأقفُ على سطحِ البيت

أهش الليل

أعدُكم

أني صاحٍ

ولن أتركَ الذئابَ تقتربُ يا عيالي.

سم

كلمة لم أستطع لفْظَها؛

كلماتٌ كثيرة تدافعتْ على لساني،

كلماتٌ تقافزتْ من يدي،

كلماتٌ تخلّصتُ من شرِّها

ولم أزل أتلوَّى.

أحذفُ كلماتٍ وأمحو أخرى

وموضعُ الألم ينتفخ؛

مثلَ رضّةٍ للتو،

ربما لو تركتُ الكتابةَ على الكمبيوتر،

لو عدتُ للقلمِ والورق

وخططتُ الكلمات،

أحفرُ الصفحاتِ حفراً

مثلما كنتُ صغيراً؛

ينحتُ شتيمتَهُ للعالم على جدارِ المدرسة.

كلمةٌ لم أستطع لفْظَها؛

سمَّمَتْنِي.

عيون فارغة

أكثرْنا من الخشب في كلامِنا،

احتطبنا منابتَ صوتِه

واستدعينا الشجرةَ مرارا

لتهدئةِ سرِّ بنيها.

تغاضينا عن معانيه وهو يجف،

وعن لوعته وهو يذهب من جمرٍ

إلى رماد.

توهّمَ الريحَ؛

يدَه،

وظنَّ الشمسَ بستاناً يناديه،

يتقطّع صريرُ الباب، يخفت

كلّما طرَأ المنشار على بالِه.

قلبناه في نار،

سقفنا به أيامِنا،

بريناه،

ركزناه في الأسرّةِ والنوافذِ والليل.

ليتنا استطعنا
ليتنا استطعنا

تأويلَ أحجارِنا

ولم يكن الرحى تفسيرَنا الوحيد.

ليتنا أطعنا

نفرةَ الجسد وصراحتَهُ الجارحة

عوضاً عن تركِ الصمتِ يدفنُنا

بمسحاتِهِ الصلفة وضحكتِهِ الكتومة.

دون انتباهٍ ربّينا قططاً بين أيامِنا

ودفنَّا عنايتَنا معها،

عناكبَ خصصنا بها الشقوقَ وهي تتّسعُ

وزوايا الأسقفِ وهي تميل.

ليتنا استطعنا

أن نختصرَ تطلّبَنا

ونبسطَ راحاتِنا بما سرقناهُ من جيوبنا،

أخطاء صغيرة قرصت أفخاذَنا وازرقّتْ

مثلَ نقطةِ الحقد،

بنينا فوقَها سدوداً ومتاريسَ

لئلا يعبرَ اللطفَ ولا ينبتَ الكلام.

ليتنا ما أطعنا شرورَ أنفسنا

واقتتلنا مبكرين.

أكثرْنا عليه من النسيان

واعتكرَ حنينُهُ في عُقَدٍ

تجفُّ وتهوي،

تاركةً عيوناً فارغة للتلصّص.

لم نجرؤ على تخيّلِ المسامير

ولو بالإشارة،

وعلى علوِّ الطرقات التي ملأتْ البيت

غطّينا أفواهَنا عند مرورِ الفأس.

رقصة

كان عليَّ أن أرقص،

كان على أحدٍ أن يرقص؛

لنفهمَ ما يجري.

لم ينفعِ الكلامُ

ولا الصوتُ يصل؛

تسقطُ الكلماتُ

وتتبدّد.

كان عليَّ أن أرقص،

كان على أحدٍ أن يقفَ

ويرفعَ الموسيقى فوقَ كتفيه

ويدورَ في اتّجاهِ الشمس

كلما نزلت.

كان على الألمِ أن يترجّل

على السعادةِ أن تعضَّ الجسد

والخوف يفيض؛

ضاقت بنا الحياة.

تريث

تريّثْ قليلاً

ولا تقفْ،

دَعْ ظلَّكَ يسبقُكَ وقتَ الخوف

ويتبعُكَ في الشوق.

تريّثْ واربطْ على قلبِك

تريّثْ وأرخِ عُرفَ حصانِك

تريّثْ ليمضِ بك المركبُ سكرانَ

ولا تقفزْ إلى ساحلٍ غيرِ مصابٍ بالدوار.

تكتم كلاماً يتدافعُ

وتكزُّ على أسنانِك لينتظم، فتريّثْ قليلاً

الغضبُ كنزُكَ فلا تبذلْهُ على لئيم.

لولا الغضبُ ما وطأتَ حافياً

ولولاهُ ما عبرت،

أنضجَكَ الغضبُ

وسوّاكَ

فتريّثْ.

أرواح الغرقى

اِتبعيني أيّتها السفنُ الغارقة

يا صيّادين؛ تعلّقوا برماحِكم المربوطة

يا بحّارةً هاربينَ من عشيقاتِهم في كل مرفأ

يا جنودا ًيختنقونَ في غوّاصاتٍ سريّة

يا كلَّ المفقودين

هل ترونَ الحوتَ الأزرق

والحيتان تتبعه

تعلقوا بهم

ولن تضيعَ أرواحُكم

لن تشيخَ هائمةً في أعماق الرعب

قبيلتي وهي تجنحُ على شواطئ القارات

ليس انتحارا جماعيا كما يُدعَى

نحن الحيتان المكلّفين بكنسِ أرواح الغرقَى

وإطلاق سراحِها على ضفافِ المحيطات.

شاعر من السعودية

14