أرواح خارج الخدمة البشرية تحضر في فيلم مصري إشكالي

الجمعة 2015/03/06
أحمد الفيشاوي يقدم في "خارج الخدمة" أفضل أدواره على الإطلاق

القاهرة- يتخبط المخرج محمود كامل في بداية فيلمه “خارج الخدمة” قبل العثور على شخصية بصرية مناسبة، فيقدّم شخصيته الرئيسية سعيد (أحمد الفيشاوي)، ذلك المدمن المهمش الذي يعيش على سرقة ما تطوله يده من العاديات في المنازل التي يقوم بتنظيفها، من خلال لقطات بعيدة وكادر غير ثابت، يوحي بأن الكاميرا تتلصص على الشخصية وواقعها المأزوم، بين البحث عن المال والتفاوض على المسروقات، أو التملص من سداد دين مالي لأحد “البلطجية”.

يبدو الكادر غير الثابت، وزوايا التلصص والأحجام الواسعة للقطات، مراهقة إخراجية يتخلص منها محمود كامل مخرج فيلم “خارج الخدمة”، سريعا عندما تبدأ الأحداث في الانتقال من الشارع والغرفة التي يسكنها سعيد إلى منزل هدى (شيرين رضا)، الأرملة الخمسينية ذات الجمال الذي حطمته الوحدة وانكسار زهرة العمر.

يستعيد ساعتها المخرج توازنه البصري، ويبدو مدركا لأبعاد الدراما التي يقدمها والصراع الساكن الذي يتطوّر ببطء بين الشخصيتين الرئيسيتين، منذ أن يبدأ سعيد في ابتزاز هدى بالفيلم القصير الذي يعثر عليه مسجلا على إحدى الفلاشات، أثناء سرقة شقة هجرها صاحبها والذي تبدو فيه هدى، وهي تخنق طفلة صغيرة في شقتها ثم تغادر بدم بارد.

يتخلص الكادر من عدم الثبات الطفولي، وتبدأ الأحجام في التمحور حول العنصر البصري الرئيسي في مشاهد شقة هدى، وهي الأريكة التي يمارسان عليها كل نشاطهما في التعاطي والجنس، أو بمعنى أدق، خمولهما المتدفق والمتنامي مع تنامي العلاقة بينهما، وبين المخدرات التي يتقنان تعاطيها وكأنها راحتهما الوحيدة أو حلمهما المفقود.

الأريكة، أو الكنبة، تتجاوز الدلالة السياسية بكونها عنصرا يعبر عن الغيبوبة الروحية للشخصيتين

وكما يتخبط الأسلوب البصري يتخبط السيناريو في البداية مستغرقا وقتا طويلا، قبل الدخول إلى عالم شقة هدى وتطوّر علاقتها مع سعيد، من الابتزاز إلى الاغتصاب إلى الصداقة، ثم الزواج العرفي.

يركز السيناريو على أزمة سعيد ورغبته في الحصول على المال، وكأنه بطل الحكاية بمفرده، ويفسح له مشاهد كثيرة في البداية، ربما لتبرير عملية الابتزاز رغم أن السياق لم يكن في حاجة إلى ذلك.

فسعيد دون حاجة للمال، هو شخص غير أخلاقي لا يتورّع عن سرقة أي شيء من أجل الإدمان، الذي تظهر علاماته الجسمانية عليه بشكل واضح، من خلال أداء متقن ومدروس ودقيق من قبل الممثل أحمد الفيشاوي في أفضل أدواره على الإطلاق، وبتشخيص متقن للانحناء الناجم على تداعي الجهاز العصبي -رمز للانكسار الروحي الذي يعانيه- إلى جانب الإيحاء بوجود ألم متواصل لا ينتهي، سببه الحاجة المستمرة للمخدر والهروب نحو عالم بعيد.

رغبة السيناريو في المحافظة على الغموض الخاص بشخصية هدى، جعله يتعاطى معها بشكل أكثر سينمائية، فيصبح التعرف على تاريخها الشخصي وروحها المحطمة نابعا من انعكاس قراراتها وأفعالها في علاقتها بسعيد، منذ أن تطرده في أول محاولة ابتزاز، وصولا إلى استجابتها لاغتصاباته المتكررة، وكأنها تبرر لنفسها استسلامها الجسدي له مرة بعد أخرى، ثم استغراقها في علاقتها معه كزوج روحي.

تجدر الإشارة إلى أن التوافق الكيميائي بين الفيشاوي وشيرين كان ملموسا منذ ظهورهما قبل عامين في مسلسل ”دون ذكر أسماء” للمخرج تامر محسن. ولاشك أن شيرين أعادت اكتشاف نفسها كممثلة بعد سنوات طويلة من تجاربها المتواضعة والعابرة في التسعينات مع أحمد زكي في فيلمي “حسن اللول” و”نزوة”.
التوافق الكيميائي بين الفيشاوي وشيرين كان ملموسا منذ ظهورهما قبل عامين في مسلسل ”دون ذكر أسماء” للمخرج تامر محسن

تتكشف ملامح شخصية هدى تدريجيا عبر علاقتها بعنصري الأريكة وسعيد، بالطبع لا تخفى دلالة الأريكة السياسية، خاصة مع وجودها أمام التلفزيون لمتابعة أخبار الاحتشاد لمظاهرات 30 يونيو، ما يعرف بـ”حزب الكنبة” وهو أحد أشهر المصطلحات السياسية في مصر بعد 25 يناير 2011، ويطلق على فئات الشعب التي تجلس في المنازل أمام شاشات التلفزيون لمتابعة الأحداث دون المشاركة فيها.

ويستخدم المخرج الإضاءة الطبيعية القادمة من شباك الصالة بشكل منطقي جدا، بعيدا عن شطحات التأثيرية والتعبيرية التي أفسدت الكثير من مشاهد أفلامه السابقة، وصنع مع مدير التصوير تلك الحالة اللونية الزرقاء الباهتة التي تكسو الشخصيات في خمولها الطويل فوق الأريكة، مع استبدال نور النهار الباهت بانعكاس إضاءة التلفزيون في المشاهد الليلية التي تعطي أيضا مساحة زرقاء باردة، تدل على تسرب الحياة وفقدان الحرارة خاصة في لقطات الغياب الكامل عن الوعي، من أثر المخدر ليبدو سعيد وهدى وكأنهما جثتان.

هنا تتجاوز الأريكة، أو الكنبة، الدلالة السياسية بكونها عنصرا يعبر عن الغيبوبة الروحية للشخصيتين، فعلاقتهما التي تتطور عبر سياقات الابتزاز، ثم الاغتصاب ثم الاستجابة، تنمو من خلال تجاورهما على الكنبة وكأنها دلالة للصعود الدرامي.

نجح كل من السيناريو والإخراج في الانتقال بالكنبة من ضيق التأويل السياسي الذي دعمته مشاهد المظاهرات والخطب الإخوانية في 30 يونيو، إلى كونها تابوتا رمزيا لتلك الأرواح التي أصبحت خارج الخدمة البشرية.

ونجح أيضا في التعبير عن أن العلاقة بين هدى وسعيد في تطورها، لم تعد مجرد مخدرات أو جنس قسري يحمل قدرا من الجدلية السادومازوخية بينهما (هو يرغب في إثبات رجولته التي تعتصرها مكانته الاجتماعية والمادية الحقيرة، وهي تبرر لنفسها السقوط الجسدي بأنه اغتصاب خارج عن إرادتها).

في المقابل وكعادة السيناريوهات الميلودرامية، يفشل النص في الخروج بنا إلى تكشف للحقائق عبر سياق منطقي بناء على ملامح الشخصيات، فيلجأ إلى صدفة مفتعلة يعثر من خلالها سعيد على صندوق الأسرار الذي يحوي التبرير الحقيقي، لاستجابة هدى لكل الابتزاز والاغتصاب الذي تعرضت لهما على يده، لنعرف أنها لم تكن في حاجة للاستجابة له تحت أي ظرف سوى الضغط الروحي والشعور بالوحدة.

المخرج يستخدم الإضاءة الطبيعية القادمة من شباك الصالة بشكل منطقي جدا، بعيدا عن شطحات التأثيرية والتعبيرية التي أفسدت الكثير من مشاهد أفلامه السابقة

ومع مثل هذه النهاية المثيرة نسبيا والتي تجعلنا نسترجع الأحداث، كي نصل إلى الاستنتاج المباشر يبرز سؤال هام: لماذا إذن تورطت هدى في هذا الضياع مع سعيد، إذا كانت قد قررت أن تستجيب له لمجرد أن يعيد السريان لمائها الراكد؟ هل هي الرغبة في الاحتفاظ به، وبالتالي مشاركته في كل ما يفعله، أم هو رفض داخلي لسعيد، وبالتالي محاولة للإذعان عبر التورط في التعاطي والغياب عن الوعي؟

فنحن أمام روحين يعيشان داخل حالة من فقدان الإيمان بكل شيء، في حين أن العالم نفسه خارج الجدران يتداعى في إيحاء أبوكاليبسي واضح. حتى عند رغبة هدى الخوض في نقاش سياسي مع سعيد مثل أيّ زوجين، تجده غير مهتمّ أو قادر على ذلك.

في المقابل هل يتسق الشعور بتلك الحالة الأبوكاليبسية مع فكرة أن سعيد وهدى روحان خارج الخدمة؟ وكيف يكون ذلك طالما أن العالم خارج شقتهما يتداعى بالفعل؟ أغلب الظن أن سياق السيناريو وإيقاع المشاهد لم يكونا في مستوى الطرح، فبدت العدمية أكثر وضوحا من أيّ شيء آخر، ولكنها عدمية لا تتسق مع قرار الشخصيات في البقاء إلى جانب بعضها البعض في نفس الحالة، رغم سقوط الأقنعة وتكشف الأسرار.

إن الفيلم لا يفلح في الوصول إلى غاية وجدانية أو فكرية في النهاية، اللهم إلاّ إذا اعتبرنا أن بقاء هدى وسعيد معا، هو الغاية، أو صار الغياب عن الوعي هو الملاذ.

16