أرواح شريرة تلاحق ميسي

على ميسي أن يبحث بدوره في داخله ويسبر أغوار مكنونه حتى يتخلص من “الأرواح الشريرة” ويتطهر منها كليا كي يهزم الحظ العاثر فيجد لنفسه مكانا ضمن صفوة الأساطير المتوجة في بطولات العالم.
الاثنين 2018/06/18
منكود الحظ

من الممكن أن نقتبس بعض الكلمات من شعر المتألق نزار قباني لتجسيد حالة الأرجنتيني ليونيل ميسي هذه الأيام، ففي قصيدة قارئة الفنجان قال شاعرنا العربي “ستفتش عنها يا ولدي في كل مكان، وستسأل عنها موج البحر وفيروز الشطآن”.

لم أجد أبلغ من هكذا توصيف للحديث عن وضعية هذا النجم العبقري بعد أول ظهور له في مونديال روسيا مع منتخب بلاده الأرجنتين، إذ يجدر بميسي أن يبحث عن الحظ والسعد والبخت والتوفيق في أمكنة بعيدة، قد يتوجب عليه أن يقلب كل حجر وصخر ويسافر إلى عوالم بعيدة وأماكن خفية، عله يجد الجواب ويفتح الأبواب ويزيح كل عذاب.

للمرة الألف يحق لنا القول إن ميسي برشلونة ليس ميسي الأرجنتين، فبقدر العطاء والتوهج والإبداع والتأثير مع فريقه الإسباني بقدر ما لازم الإخفاق وسوء الطالع هذا النجم الأسطوري مع منتخب “التانغو”. والتأكيد الجديد جاء أمام منتخب أيسلندا المغمور، هذا المنتخب الذي وجد موطئ قدم لأول مرة في تاريخه في ساحة المونديال أحرج ميسي والأرجنتين بأسرها، هذا المنتخب الفتي قليل الخبرة “قلّم أظافر النمر ميسي وأحاله إلى حمل وديع” في المباراة الافتتاحية للمنتخبين خلال كأس العالم 2018.

لقد تمكن المنتخب الإيسلندي من كبح جماح ميسي وبقية رفاقه وفرمل الانطلاقة السريعة المتوقعة للقطار الأرجنتيني، وأعاد إلى الأذهان مشهدا لم يعشه هذا المنتخب منذ 28 سنة، وتحديدا منذ مونديال إيطاليا 1990.

 في تلك الدورة لم يحقق المنتخب الأرجنتيني الفوز في مباراته الأولى حيث خسر ضد المنتخب الكاميروني، وبعد مرور ست دورات حصد خلالها منتخب “التانغو” العلامة الكاملة في كل مبارياته الافتتاحية، أصرّ القدر وربما الحظ هذه المرة على تأكيد حقيقة واضحة تماما تؤكد أن ميسي العالمي هو في الأصل لاعب منكود الحظ.

أما في المونديال الروسي فقد غرد ميسي بعيدا عن السرب وساهم في حصول تعادل بطعم الخسارة والعلقم، لم يكن يومه مثاليا ضد منتخب إيسلندا، عجز مجددا عن إعادة سيناريوهات النجاح والتألق مع برشلونة ولم يكن فعالا بالمرة، ارتبك وأخفق في التخلص من الرقابة الصارمة لمدافعي منافس المنتخب الأرجنتيني، فكانت إطلالته الأولى عكس ما تمناه محبو منتخب “التانغو”.

والأشد قسوة من ذلك أن الفرصة أتيحت له كي يخلص نفسه وكذلك منتخب بلاده من “الشؤم” عندما انبرى لتنفيذ ضربة جزاء، لكنه أخفق بعد أن تصدى حارس المنتخب الإيسلندي لتسديدته، ليخرج ميسي بعد المباراة حانقا بائسا مكسور الجناح.

فأي ذنب ارتكبت وأي خطيئة حملت، حتى يحصل لك كل هذا الأمر؟ لماذا كل هذا العدم كلما حملت القميص الأزرق والأبيض؟ لماذا استمرت “اللعنة” المتواصلة منذ حوالي 12 سنة مع المنتخب الأرجنتيني.

ميسي برشلونة ليس ميسي الأرجنتين، فبقدر العطاء والتوهج والإبداع والتأثير مع فريقه الإسباني بقدر ما لازم الإخفاق وسوء الطالع هذا النجم الأسطوري مع منتخب “التانغو”

ميسي لم يتذوق طعم الفرح الدولي مع منتخب الأرجنتين سوى في مناسبة يتيمة عندما حصل على ذهبية مونديال بيكين 2008، لكن هذا التتويج لا يضاهي أبدا التألق في كأس العالم بل لا يقارن بالحصول على لقب “كوبا أميركا”.

فميسي لم يتجرع على امتداد أغلب هذه السنوات سوى طعم المرارة، وفي المناسبات التي يقترب خلالها من فك الشفرة وحل اللغز، تهزمه الأقدار وتطيح به اللعنة خارج المدار، فتزيده انكسارا على انكسار.

في الماضي القريب تلقى خليفة مارادونا على العرش الأرجنتيني الصفعة تلو الأخرى، وفي ظرف ثلاث سنوات فقط كاد الحظ العاثر أن “يقتله” كرويا ويبعده نهائيا عن تحقيق مراده مع المنتخب، لقد خسر نهائي كأس العالم في الدورة الماضية عندما سقط في المباراة النهائية أمام المنتخب الألماني.

ثم تواصلت خيباته وتجسد سوء طالعه عندما فشل في الحصول على لقب “كوبا أميركا” في نهائيين متتالين وبطريقة درامية قاسية محبطة للغاية ضد المنتخب التشيلي. وعاد ميسي بعد تلك النكسات المحبطة، عاد للعب الدولي وفي قلبه هدف واحد وهو منح شيء من البهجة لمنتخب بلاده، فذلك سيرضيه حتما ويسعده ويجد في نفسه هوى أكثر وأكبر من كل الإنجازات التي حققها مع فريقه برشلونة.

عاد وشارك في تصفيات المونديال، وبعد انطلاقة صعبة للغاية استعاد ميسي بريقا من الأمل الذي جعله يتفاءل خيرا قبل القدوم إلى روسيا، إذ قلب كل المعطيات في المباراتين الأخيرتين من التصفيات وأنقذ الأرجنتين من الغياب عن الحدث الكوني الأبرز.

لكن منكود الحظ لم يسلم من الصدمة منذ الوهلة الأولى، فتلقى الصفعة الأولى من “يد” منتخب مغمور، لتزداد بذلك الضغوطات ويتأكد إلى اليوم ارتباطه باللعنة وسوء الطالع وغياب التوفيق. غير أن كل هذه المعطيات قد تنقلب رأسا على عقب، قد يفعلها “البرغوث” في قادم المباريات، قد ينجح هذه المرة في كسر كل القواعد والنواميس التي تحالفت ضده في مسيرته الدولية، وقد يصل إلى معانقة المجد العالمي الذي طالما حلم به.

ربما إذا أراد فعل كل هذا، عليه أن يتقمص طيف مارادونا في المباريات المتبقية، فمارادونا خسر مع الأرجنتين في افتتاح مونديال سنة 1990 لكنه لم ينكسر وعاد أقوى بكثير ليصعد بمنتخب بلاده إلى المباراة النهائية. مارادونا بحث مليا ووجد الوصفة السحرية في قلبه وعقله وروحه المتقدة حماسا.

أما اليوم فعلى ميسي أن يبحث بدوره في داخله ويسبر أغوار مكنونه حتى يتخلص من “الأرواح الشريرة” ويتطهر منها كليا كي يهزم الحظ العاثر فيجد لنفسه مكانا ضمن صفوة الأساطير المتوجة في بطولات العالم.

22