أرواح لا أرقام

الخميس 2014/05/15

يبدو حديث الأرقام مرعباً عند التدقيق في جوهره، والتعامل مع كلّ رقم على أنّه روح إنسان يزهَق، لا الاكتفاء بالترقيم المجرّد، والتعامل مع الضحايا كإحصاءات رياضيّة يمكن أن تزيد أو تنقص بحسب المحصي وموقعه وموقفه.

بعودة بسيطة إلى القرن العشرين يمكن تلمّس هول المصيبة في الأرقام المعلنة عن ضحايا الحروب التي شهدها. يذكر الفيلسوف تزفيتان تودورف في كتابه «الأمل والذاكرة» أنّ حصيلة ضحايا الحرب العالميّة الأولى بلغ ثمانية ملايين وخمسمئة ألف، وما يقارب العشرة ملايين مدني وستّة ملايين معاق. وفي الوقت نفسه، وقع ضحايا كثر في حرب الإبادة ضدّ الأرمن. وقد تمّ تنفيذ حكم الإعدام في مليون وخمسمِئة ألف إنسان على يد السلطات التركيّة، وفي روسيا. ثمّ يذكر كيف أنّ الحروب الأهليّة والمجاعة عام 1922 أسفرت عن هلاك خمسة ملايين إنسان، بالإضافة إلى أربعة ملايين راحوا ضحيّة أعمال القمع، وقضى ستّة ملايين إنسان في مجاعة 1932 -1933.

يجد تودورف أنّ عدد ضحايا الحرب العالميّة الثانية بلغ أكثر من خمسة وثلاثين مليونا لقوا حتفهم في أوروبا وحدها. منهم خمسة وعشرون مليونا على الأقلّ في الاتّحاد السوفييتي، إضافة إلى حروب الإبادة التي ارتكبت في أكثر من بقعة في العالم خلال الفترة نفسها. كما تعرّض المدنيّون لقصف بالقنابل من قبل الحلفاء في اليابان وألمانيا، ناهيك عن الحروب الدمويّة التي قادتها الدول الأوروبية العظمى داخل مستعمراتها، مثل تلك التي أشعلتها فرنسا في كلّ من مدغشقر والهند الصينيّة والجزائر.

بالانطلاق من تساؤل تودورف: إن كان المؤرّخون قد أطلقوا على القرن الثامن عشر تسمية «قرن الأنوار»، فهل سيسمَّى القرن العشرون بـ«قرن الظلمات»..؟ يحضر لدى المرء تساؤل حول إمكانيّة ترحيل السؤال الاستنكاريّ إلى القرن الواحد والعشرين، وإعادة طرح السؤال بعيداً من النظرة التشاؤميّة، وبالارتكاز على المعطيات الواقعيّة وانطلاقاً من حصيلة ضحايا العقد الأوّل منه، الذي اشتمل على أكثر من حرب في أكثر من بقعة في العالم، وكلّ ذلك باسم الدفاع عن الإنسان والقيم الإنسانيّة..؟

بقليل من التدقيق يدفعنا السؤال إلى هاوية من العنف والدمار والعتمة الحاجبة والتوجّس المتعاظم من هول القادم، والخشية التالية تكمن في عدم القدرة على تخطّي الامتحان الأصعب، وهو مدى القدرة على إيقاف القتل المجّانيّ وهدر الإنسانيّة..!

لا يخفى أنّ الإجابات ستتعدّد والتسميات ستختلف، تبعاً للموقع والموقف، لكن ممّا لا شكّ فيه أنّ العنف في تصاعد والحرب في تجدّد والجرائم في ازدياد.. وحتّى ذلك الحين يتمّ التعامل مع الضحايا كأرقام.. لا كأرواح.


كاتب من سوريا

15