"أرواح هائمة" تحرر الكاتب التونسي من أغلال الغربة في ميونيخ

الخميس 2014/03/20
في قصص العيادي يتجلى تآزر الوعي المضموني مع الوعي الفني

في مجموعته القصصية الجديدة “أرواح هائمة” الصادرة عن “المجلس الأعلى للثقافة” بمصر والموسومة بـ”نصوص”، يفاجئنا الشاعر والقاص التونسي كمال العيادي بعدد من القصص التي تدرس فكرة الاغتراب حتى تغطى معظم جوانبها.

“الهائمة” اسم علم مؤنث عربي معناه “التائهة”، وتعنى أيضا العاشقة الولهى، وقد وردت في الآية رقم 255 من سورة الشعراء في قوله تعالى: “أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ”. وكل هذه المعاني تكرس فكرة الاغتراب من حيث المعنى اللغوي. ومن معاني الاغتراب في اللغة النزوح عن الوطن، والنكاح في الغرائب والزواج من غير الأقارب.


باب التيه


أغلب معاني الاغتراب نجدها في مجموعة “أرواح هائمة”، لكن قراءة المجموعة تؤكد أولاً أننا إزاء روح هائمة أساسية هي روح السارد، وهي تجتذب شبيهاتها من الأرواح الهائمة المغتربة، فالسارد في غالبية القصص مفلس أو يكاد، في حالة إحباط أو غضب أو عدم رضا، وهو يحكي الحكاية بضمير الراوي العليم، أو الراوي المشارك، وفي كل الأحوال يفسح مجالا للروح الهائمة بطلة القصة للحديث عن نفسها، وكأن هذه هي المواساة الفنية التي يقدمها الكاتب لأبطال أعماله، فرصة لكي يتحدثوا عن اغترابهم، وأن يجدوا من يسمع هذا الحديث، فيعيشوا للحظات حالة من الحميمية.

كل قصص المجموعة، عدا القصتين الأخيرتين منها، تدور في ألمانيا، وأبطالها إما عرب من تونس هاجروا إلى ألمانيا أو ولدوا فيها؛ وهذا هو الغالب، أو ألمان يعانون اغترابا مثل ما وصفه التوحيدى بأن غربة الإنسان في وطنه أشدّ وأقسى من غربة الغريب في غير وطنه، وهنا يبدو وعي الكاتب الشديد، وإمساكه بتفاصيل حياة أبطال قصصه كأشخاص وكمكان وكلحظة زمنية محددة يحرص كثيرا على تحديدها، قاصدا ليس فقط الإيحاء بالواقعية وبأن هذه القصص قد حدثت بالفعل -ومن هذه الحيل استخدام حروف أولى للأسماء في القصة- ولكن أيضا لأن الظروف الاجتماعية والسياسية التي تدور فيها أحداث القصص قد تكون مختلفة قبل أو بعد هذا التاريخ.

القصص تتميز بفض الغلالة الرومانسية التي ينظر بها الشرقي إلى الغرب نظرة المتطلع إلى المثال المرتجى


زبائن الغربة


وهنا يجب أن نضع تلك المجموعة في مكانها اللائق من الأعمال الشهيرة التي تناولت العلاقة بين الشرق والغرب، أو اغتراب العربي المسلم في المجتمع الأوروبي، مثل “أديب” طه حسين، و”عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم، و”موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، وسهيل إدريس في “الحي اللاتيني”، لكن هذه المجموعة تتميز بفض الغلالة الرومانسية التي ينظر بها الشرقي إلى الغرب، ونظرة المتطلع إلى المثال المرتجى، حيث ينظر كمال العيادي إلى هذا المجتمع في جوهره وصميمه، فنجد بشرا محطمين لا يشعرون بجدوى حياتهم ويتمنون التخلص منها، ويفعلون هذا أحيانا، ففي قصة “أرباع المثقفين من منظور السيد يواخين” يقول السيد يواخين ممرورا ومتباكيا على ما وصلت إليه حالة المثقفين في بلده “إنهم زبائن مقهى الأنسويفايتا، المقهى المشهور في كل أنحاء ميونخ بأنه مقهى المثقفين، انظر إليهم لتفهم ما أريد قوله، ثقافتهم كرة القدم والمسلسلات التافهة والبرامج المسلية والمسابقات التي تربح فيها عجوز شمطاء مليون يورو لمجرد أنها تعرف بأن الهند بلد ينتج التوابل ويقع بقارة آسيا.. إنهم أرباع المثقفين، الفيروس القاتل الذي يتربص بألمانيا وبكل أوروبا”.

الوعي المضموني الذي قدّم به الكاتب عمله يؤازره وعي بالتقنيات السردية، حيث يتضافر مضمون العمل مع أسلوب الحكي، فنجد أن الفضاء المكاني في غالبية القصص هو الحانة أو المقهى، وهذا المكان هو رمز الاغتراب في المدينة الحديثة، حيث يهرب الناس من الأسرة ليكونوا في حالة وحدة في مكان لا يأبه بهم، ومع أشخاص لا يشعرون بمعاناتهم وليس لديهم استعداد للتواصل حيث أن لديهم هم أيضا ما يكفيهم، كما أن معظم الأبطال يدمنون بدرجة أو بأخرى شرب الخمر، وهي المادة التي تعمق حالة اغتراب الإنسان عما حوله بما فيهم نفسه حيث يغيب عن وعيه.

الكاتب يقدم حالات كثيرة من الاغتراب الجغرافي


دوائر الاغتراب


يقدّم الكاتب في مجموعته حالات كثيرة من الاغتراب الجغرافي حيث يعيش التونسيون والعرب في ألمانيا، والاغتراب الثقافي الذي يعانونه كما في قصة “الجوادية” تلك المرأة الكريمة العطوفة المتدينة التي تعيش غربتها الخاصة في ألمانيا وتحلم بقبر في بلدها تونس، لكن هذه الأمنية لا تتحقق لأن أبناءها يقررون دفنها بألمانيا ليمكنهم زيارة قبرها بسهولة، فتحمل معها غربتها إلى الأبد.

ويقدّم الكاتب في قصة “السردوك” مفهوما للغربة فيه جِدة فنية وهو الغربة عن الماضي، حيث نجد أن أحداث الماضي غير السارة هي التي تشكل الإنسان غير السوي في القصة، وهي في الوقت نفسه التي تفصله عن جذوره وتجعله يعيش غربة اختيارية للقطيعة المقصودة مع هذا الماضي.

وأما القصة الأخيرة في المجموعة فهي أقرب إلى التوثيقية والتأريخ حيث يحكي الكاتب “رحلة الرسامين الثلاثة” بول كلي، لويس مواييت، وأوجست ماكه، الألمان إلى تونس قبيل الحرب العالمية الأولى، ومدى تأثرهم بالبيئة التونسية الغنية بالألوان والأضواء، وهي هنا تقدم مفهوما يمكن أن نسميه “ضدّ الاغتراب”، فهؤلاء الشباب مختلفون بطبيعتهم كفنانين، وهم أجانب، وفي أرض غريبة ثقافيا واجتماعيا، لكنهم لا يشعرون بغربة ولا اغتراب في تونس، ربما لأن الفن كان شاغلهم الأول وليس الانغماس في الحياة الاجتماعية، حتى أن أوجست ماكه يبكي وهو يغادر تونس قائلا: “لقد أحببت هذا البلد، وأخشى ألا أعود إليه”.


رحلة إلى الجحيم


وهي الجملة التي لا يستطيع أن يقولها أبطال باقي القصص من التونسيين وحتى الألمان عن ألمانيا نفسها، حيث حرص الكاتب في ترتيبه لقصص الكتاب أن يجعل قصصه الأولى تتحدث عن الشخصيات المغتربة الألمانية، ثم بعد ذلك العربية، ربما ليشير إلى أن الغربة لا تخصّ المهاجرين وحدهم، أو أن الجميع بشر يعيشون نفس الظروف في نفس المكان واللحظة الزمنية، لذلك لا داعي للفصل العنصري بينهم عندما يجترون مشاعرهم.

14