"أرواد" فيلم يبحث في مشقة عن لوعة الانتماء

الجمعة 2015/04/03
الفيلم يبسط عذاب مهاجر ضاع بين ثقافتين

يخوض المخرج السوري الأصل سامر نجاري، وزوجته الكندية دومنيك شيلا مغامرة سينمائية شيقة في فيلمهما الروائي الطويل الأول “أرواد”. الرؤية الأساسية في الفيلم لا شك أنها تعود إلى نجاري نفسه، الذي هاجر إلى مونتريال قبل عشرين عاما، فهي ترتبط بفكرة الحنين إلى الوطن الأصلي بعد سنوات طويلة عاشها بطل الفيلم في الغربة.

الشخصية الرئيسية في فيلم “أرواد” للزوجين السوري سامر نجاري، والكندية دومنيك شيلا، هي شخصية علي السوري الذي يهجر زوجته الكندية وطفلتيه منها عقب وفاة أمه، ويعود إلى جزيرة أرواد الواقعة قبالة الساحل السوري، حيث ولد ونشأ، لكي يبحث عن أصوله وانتمائه.

يتأمل في ماضيه وحاضره، يعلن أمام الطبيعة والبحر غضبه ورفضه لحياته والتمرد على انصياعه لرغبته في العيش المستكين، يريد أن يستردّ ما كان من طفولة زائلة، تصحبه عشيقته الحسناء ماري التي تبدو شديدة الرقة والعذوبة في تعاملها معه، في حين يميل هو إلى مشاغبتها بل ويستفزها بوضوح، يريد أيضا أن يفلت من قيدها بل ومن كل القيود.

هناك الكثير من المشاهد التي تجمع بين علي وأمه التي كانت -قبل وفاتها- تعيش معه في منزله بمونتريال، وكانت تروي له الكثير من القصص عن الماضي، عن طفولته وبالتالي أصبح من الطبيعي أن تسيطر هذه القصص وتصبح هاجسا يتملك علي ويدفعه دفعا إلى الماضي.

إن علي العائد إلى الوطن، لا يعود قادرا على فهم طبيعة الحياة في أرواد، ولا إيقاع العيش رغم أن لا شيء تغير فيها ولا شيء يتغير عبر السنين، لقد أصبح عاجزا عن مواصلة الانتماء إلى كلا الضفتين، هنا أو في مونتريال رغم أنه يمتلك هناك، في المهجر، مطعما ناجحا.

وفي أرواد هو لم يعد يرى سوى المناظر السياحية، بل ويبدأ في التعامل معها مثل سائح، فيشتري بعض الملابس التقليدية المنقوشــة لابنتيه، ويطلب من صبي يعمل في إحــدى الحــانات أن يصوره مع حبيبــته.

علي العائد إلى الوطن، لا يعود قادرا على فهم طبيعة الحياة في أرواد، ولا إيقاع العيش رغم أن لا شيء تغير فيها ولا شيء يتغير

وفي المقابل تأتيه تلك “النداهة” الغامضة الكامنة في البحر، التي تناديه وتغويه أن يمنحها ما لا يملك؛ حيوية وقوة الماضي، فيكون مصيره التراجيدي الغرق، بينما تقف ماري ترقبه في فزع على الشاطئ بعد أن رفضت أن تتبعه في تلك المغامرة الحمقاء.

عودة إلى الماضي

بعد أن يصل الفيلم إلى تلك النقطة المفاجئة، يرتدّ إلى الماضي، إلى حياة علي مع زوجته التي كان يتعين عليها أن تأتي من مونتريال إلى أرواد للتعرف على جثته واستلامها، فلم يعد لديه أحد في أرواد بعد وفاة والدته.

الزوجة تبدو شديدة الحزن فقد أحبته وارتبطت معه بذكريات جميلة وأنجبت منه ابنتيها، لكنه أراد دائما أن يفلت من القيد، أن يعود إلى أصوله، طارحا التساؤلات حول وجوده في المهجر، حول الابنتين اللتين لا تعرفان من لغته الأصلية شيئا، ما هذا المصير، ما تلك الغربة المؤلمة، وهل هي قدر، أم قرار؟

علي المعذب بالتساؤلات، لا يسعد مع زوجته غابرييل، ليس لأنها امرأة سيئة بل لأنها تحديدا امرأة جيدة، تمنحه الحب والحنان والاستقرار في حين يبحث هو عن شيء آخر، عن المغامرة، عن جنون وطيش الصبا، عن العودة إلى ثقافته للتفتيش في ذاكرته، في حين أن اللغة تظل حاجزا بينه وبين غابرييل، رغم إجادته لها. فالأزمة ليست أزمة تخاطب بل أزمة انتماء.

هذا فيلم مصنوع برقة وشاعرية كبيرتين، لا ينحرف أبدا عن مساره، مكتوب بدقة وبراعة بحيث يوزع اهتمامه بالتساوي على الشخصيات الرئيسية الثلاث: علي وماري وغابرييل، دون أن يغفل الطفلتين.

ونحن نرى الأحداث في البداية من وجهة نظر علي، ثم من وجهة نظر ماري، ثم نتوقف طويلا أمام غابرييل التي تنهار حياتها عقب مصرع علي، وفي واحد من أفضل مشاهد الفيلم (نعود في فلاش باك أي عودة للوراء في الزمن)، لكي نشهد حفلا في حديقة منزل علي للأصدقاء، حينما تحضر ماري وتتطلع إليها غابرييل في فضول وقلق.

فهي لا تعرفها ولا تفهم لماذا جاءت إلى الحفل؟ ولماذا تبدي أمام الجميع إعجابها بشخصية علي بل وتثني عليه أمام غابرييل؟ أما علي نفسه فهو غارق في ضجيج الرقص وخنقة الشراب، يريد أن يندمج، أن يوهم نفسه بالسعادة، لكنه من طرف خفي، يخطط لشيء ما.

الممثلة الكندية فاني ماليت، تفوقت في أداء دور العشيقة ماري، وهو دور غير تقليدي فهي ليست المرأة الشريرة

وفي المشهد الأخير تتواجه المرأتان: الزوجة التي أصبحت أرملة، والعشيقة التي كانت الشاهدة الوحيدة على تلك الميتة العبثية. نظرات الشك والتشكك ليس من الممكن إخفاؤها لدى غابرييل، وبوضوح نلمح على وجه ماري سمات الإحساس بالذنب، فالموقف صعب، بل وقاس. والمخرجان في فيلمهما الأول يتمكنان من السيطرة على المشاعر وعلى أداء الممثلين على نحو مدهش يدعو للإعجاب.

هناك سحر ما يسيطر على مشاهد هذا الفيلم البسيط، ولكنه محمل بعشرات التساؤلات والمشاعر. أماكن التصوير اختيرت بعناية في كل من مونتريال وتونس، حيث تعذر التصوير في جزيرة أرواد السورية بسبب الأوضاع المضطربة في سوريا عموما.

تساؤلات ومشاعر

رغم الابتعاد المتعمد عن السياسة والأحداث السياسية الساخنة، إلاّ أننا نرى في الفيلم شخصية شاب يعمل ساقيا في حانة بأرواد، يبدي تبرمه ورفضه للعيش في تلك الجزيرة رغم جمالها الخلاب، يناقشه علي ويحاول أن يفهم منه لماذا يريد أن يغادر ويهاجر للخارج؟ فيقول له الشاب إن كل شيء هنا “معطل”، ولا معنى له.

تجريد موضوع فيلم "أرواد" أفاد الفكرة الرئيسية التي تدور حول العذاب الشخصي للمهاجر الذي غادر ثقافته، وتصور ذات يوم أنه استطاع أن يتخلص من ماضيه وأن يتجرد من ذكرياته السابقة.

وفي المقابل يكتشف بعد أن يحقق كل ما يمكن أن يحلم به أي مهاجر في الغربة، أن هناك شيئا ما ينقصه؛ شيء يرتبط بطفولته وبالثقافة التي جاء منها.

من أفضل ما يمكن أن نشاهد من أداء تمثيلي هنا أداء الممثلة جولي ماكليمنز في دور غابرييل الزوجة المعذبة، التي لا يمكنها أن تفهم لماذا يمكن أن يتخلى رجل يملك كل شيء، عن حياته كلها وينتهي تلك النهاية العبثية.

وقد نجحت في التعبير بقسمات الوجه واليدين ونظرات العينين ببراعة وتمكّن، خصوصا في اللقطات القريبة (كلوز أب).

كما يحسب للمخرج نجاري، اكتشافه المثير للممثل رمزي شقير الذي قام بالدور الرئيسي، دور علي بحيويتـه وطفولته ونزعاته الغريبة.

وقد تفوقت أيضا الممثلة الكندية فاني ماليت، في أداء دور العشيقة ماري، وهو دور غير تقليدي فهي ليست المرأة الشريرة، بل على العكس، هي أيضا امرأة محبة، تشعر بالحبيب، تريد أن تسعده لكنها تواجهه بما يدور في نفسه كما لو كانت مرآة لضميره، ومن هنا تساعد في تفاقم معاناته.

16