"أريحا" عجوز المدن في العالم، لا تعرف الهدوء

الاثنين 2014/02/24
من طرق أريحا العتيقة أين كان الحجاج المسيحيون والمسلمون يمرون إلى مقدساتهم

أريحا -على بعد ثلاثين كيلومترًا من بيت المقدس تقع مدينة "أريحا" الفلسطينية، ونظرًا لانخفاضها بنحو 250 مترا عن سطح البحر، فإنها تعد أخفض مدينة في العالم ونقطة عبور مهمة منذ القدم للقوافل التجارية والغزوات الحربية التي كانت تتجه غربًا نحو القدس وشرقًا نحو عمان. وتعني كلمة أريحا بالسريانية الرائحة والأريج، وكذلك أطلق على المدينة اسم مدينة النخيل وحديثة السماء.

كان الحجاج المسيحيون القادمون من القدس يمرون من حيفا وهم في طريقهم إلى نهر الأردن والبحر الميت، كما أنها تعد البوابة الشرقية لفلسطين، إذ عبرت من خلالها الكثير من الجماعات البشرية المهاجرة إلى فلسطين على مدى العصور.

وفيما يتعلق بتسمية المدينة، يقول المؤرخون أنها ترجع إلى “أريحا بن مالك بن أرنخشد بن سام بن نوح عليه السلام”، وهذا يدل على أن أصل التسمية سامي الأصل، أما أريحا عند الكنعانيين فتعني القمر، وقد عرفها العرب بأريحا، وأريحا أطلق عليها أيضًا مدينة “وادي الصيصان” وسيمت بهذا الاسم لأن هذا النوع من الشجر يكثر بين ثناياها والذي يلتف كسياج حول بساتينها ولا يزال فيها إلى اليوم. وسميت أيضا بـ”تل السلطان أو عين اليشع”، لأن أريحا القديمة لم تكن سوى تل صناعي صغير يدعى تل السلطان وهو أصل المدينة الأول.

أما طقس المدينة فيجذب الكثير من السياح سواء كانوا محليين أو من خارج الوطن، فمعدل درجات الحرارة السنوي هو 23.5 درجة، وأعلى معدل سنوي لدرجات الحرارة هو 30.5 درجة، ومعدل تساقط الأمطار 150 ملم ومعدل الرطوبة 25 بالمئة، ومعدل تساقط الأمطار في مدينة أريحا هو أقل منه في الجبال المحيطة والمناطق الساحلية، لذلك فإن مدينة أريحا تعتمد بالكامل على آبار ارتوازية لسد احتياجاتها من مياه الشرب والري، مثل نبع عين السلطان، حيث أن مصدر مياه هذا النبع يأتي من الجبال البعيدة ويعتبر المصدر الرئيسي لمياه الزراعة.

10 آلاف سنة هو عمر مدينة أريحا

وتضم أريحا الكثير من المعالم الأثرية، منها: تل عين السلطان وقصر هشام الأثري. ويوجد أيضًا دير قرنطل أو جبل الأربعين، والذي تأسس على يد “الأرشمندريت أفراموس”، وهو قديم منذ زمن السيد المسيح، ودير مار يوحنا أو دير القديس يوحنا المعمداني، ويضم كنيسة الراعي صالح، وتمثالًا للسيدة العذراء والطفل يسوع وتمثالًا آخر للسيد المسيح.

وباستقراء تواريخ آثار تلك المدينة يتأكد للرائي أنها من أقدم مدن فلسطين، إذا يرجع تاريخها إلى العصر الحجري القديم، ويذهب عدد من المؤرخين إلى أنها أقدم مدينة في العالم، وحدد الخبراء موقع أطلالها عند تل السلطان الذي يقع على بعد كيلومترين شمال المدينة الحالية وبالقرب من نبع عين السلطان.

ويخبرنا التاريخ في تلك المنطقة أن مدينة أريحا قد تعرضت لعدد من الهجمات المتتالية، انتهى بعضها بمجازر دموية، وأخرى بمآثر تحسب للمدينة. فبدءًا بهجمات “الهكسوس” والذين اتخذوها قاعدة لهم، ثم هاجمها بنو إسرائيل كأول مدينة كنعانية تهاجم من قبلهم على يد “يوشع بن نوح” وأحرقوا المدينة وأهلكوا من فيها، مرورًا بأفضل عصورها على عهد الرومان ويظهر ذلك في آثار الأقنية التي اكتشفوها والتي تظهر في وادي “نهر القلط”. وفي عهد المسيح عليه السلام ازدادت شهرة المدينة، حيث زارها عيسى، كما زارها النبي زكريا عليه السلام، ويرجع الفضل إلى الرومان في تعمير المدينة وازدهارها، حتى جاء الإسلام فأصبحت أهم مدينة زراعية في الغور، حيث انتشرت فيها زراعة النخيل وقصب السكر والموز وغيرها.

17 ألف نسمة هو عدد سكان مدينة أريحا اليوم

وفي عام 659م أصبحت أريحا تحت حكم معاوية بن أبي سفيان، مؤسس الخلافة الأموية من الأسرة الحاكمة. ثم الخليفة العاشر من السلالة الأموية، هشام بن عبد الملك، الذي قام ببناء قصر فخم يسمى قصر هشام على بعد كيلومتر شمال تل السلطان في عام 743م يتضمن مسجدين وفناء وفسيفساء ومعالم أخرى.

وفي مدينة أريحا بحث العديد من العلماء والمؤرخون عن خصائصها ومزاياها، إذ قال الجغرافي العربي ياقوت الحموي عن أريحا إنه “يوجد بها العديد من أشجار النخيل وقصب السكر وكذلك الموز. وأفضل أنواع السكر في البلدة يتم استخراجه من أراضي غور الأردن”. كما كتب في القرن الرابع عشر “رشيد محمد سعيد إسماعيل” أن هناك مناجم كبريت في أريحا وهي “الوحيدة في فلسطين”.

وخضعت المدينة بعد المسلمين إلى حكم الصليبيين بعد أن غزوا فلسطين وأصبحت مركزًا للجيش الملكي الصليبي بقيادة “ريموند”، الذي غادرها بجيشه بعد أن سمع بقدوم الأيوبيين بقيادة صلاح الدين الأيوبي، حيث جعلوها جسرا لهم في فلسطين للاتصال بقواتهم في الشام ثم خضعت إلى الحكم المملوكي، وأصبحت جزءًا من مملكة دمشق.

وخلال فترة الحكم العثماني، تميّزت أريحا بكونها قرية كانت تتعرض لهجمات البدو. وفي القرن التاسع عشر، قام بعض من العلماء الأوروبيين بزيارة المدينة ومنها بدأت أولى الحفريات الأثرية في تل السلطان والتي تم تنفيذها في عام 1867، وتم حينها الانتهاء من بناء أديرة القديس “جيورجي من كوزيبا” و”يوحنا المعمدان” في عام 1901.

7 آلاف سنة قبل الميلاد بني أقدم برج عسكري في العالم بمدينة أريحا

وبعد انهيار الدولة العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى، أصبحت أريحا تحت حكم الانتداب البريطاني. حيث قامت بريطانيا ببناء الحصون خلال الحرب العالمية الثانية ومد الجسور المليئة بالمتفجرات بمساعدة شركة “سوليل بونيه” اليهودية، استعدادًا لغزو محتمل من جانب القوات المتحالفة الألمانية.

وتمكنت المملكة الأردنية الهاشمية من دخول أريحا خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948. وأعلن في مؤتمر أريحا، الذي نظمه الملك عبدالله وحضره أكثر من 2000 مندوب من فلسطين في عام 1948 “الملك عبدالله ملكًا على فلسطين كلها”، ودعا إلى توحيد “فلسطين وشرق الأردن، كخطوة نحو الوحدة العربية الكاملة. وفي منتصف عام 1950، ضمت الأردن رسميا سكان الضفة الغربية وأريحا، مثل غيرهم من سكان البلدات في الضفة الغربية وأصبحوا مواطنين أردنيين.

لكن قوات الاحتلال تمكنت من أريحا وباقي الضفة الغربية خلال حرب الأيام الستة عام 1967. وهي من المدن التي سلمت إلى السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 وفقا لاتفاقات “أوسلو”.

12