أريد أن أرى الدنيا

عوض أن نواصل مشوار المصلحين؛ نتحدث عن شرعية الاحتفال بعيد الحب. وتصدر وزارة التربية والتعليم بيانا تحذر فيه من تعمّد الفصل بين الجنسين في مدارس البلاد.
السبت 2018/03/03
تغييرات كثيرة طرأت على المجتمع التونسي

تحلّ هذا الأسبوع ذكرى وفاة جدّتي. هذه الذكرى لها طعم خاص في عائلتنا. هي مناسبة للاحتفال. هي أوصت بذلك. أوصتنا ألا نحزن. أن نحوّل ذكرى وفاتها إلى مناسبة نلتقي فيها، لنضحك، وننسى ولو لساعات قليلة  متاعب الحياة. أوصتنا بأن نشغّل الموسيقى ونشتري الحلوى التي كانت تحبها، وكأننا نحتفل بعيد ميلادها لا بذكرى وفاتها.
جدّتي ليست غريبة في تصرفها، ولا في حبّها للحياة، ولا في انفتاحها الفطري. هي ببساطة تعكس صورة جيل تونسي متصالح مع نفسه، وعرف كيف يتعامل مع الحياة رغم قسوة ما عاشه. جيل عايش الاستعمار والحرب العالمية والنكبة والنكسة. شاهد أقرب الناس إليه يموتون بسبب الأوبئة. مع ذلك عندما تتحدث اليوم مع شيخ في العقد الثامن أو التاسع من عمره تجده أكثر تفاؤلا وابتساما وانفتاحا من شاب في مقتبل العمر.
تعرضت جدّتي، قبيل وفاتها لحادث اضطرّها لأن تقضي بعض الوقت في بيت عمتي. لكن، جدّتي، ورغم كل ما توفر لها من ظروف الراحة، أصيبت باكتئاب وأصرّت على أن تعود إلى بيتها، حتى وإن كانت ستبقى وحيدة فيه. سألتها عن السبب فدار بيننا حوار بقدر ما حمل من نكتة وطرافة قدّم في مضمونه تحليلا عميقا عن مظهر من مظاهر التحوّل في ثقافة المجتمع التونسي وكيف انتقل من الاعتدال إلى التطرّف.
رفضت جدّتي ببساطة أن تبقى عند عمتي، لأن هذه الأخيرة حسب قولها “لا تشغّل إلّا الفضائيات الدينية التي لا تعرض إلا أصحاب اللحى”، الذين وصفتهم بـ”لا أراك الله مكروها” لا يعرفون “غير حرام حرام حرام”. أقاطعها “لكنهم يتحدثون عن الدين”، فترد “لا، هؤلاء ينفّرون من الدين.. نحن نعرف ما لنا وما علينا. ولو اتّبعنا ما يقولونه فلن نربح لا دنيانا ولا جنتنا”.
تضيف جدّتي، التي ناهز عمرها التسعين، “الحجّ وقد حججنا، من الستين حزب (القرآن) حفظنا ما تيسّر، نقوم بواجباتنا الدينية على أكمل وجه، والله يعرف ما في قلوبنا، فما هذا الذي يهذي به أولئك الشيوخ الذين قلبوا حياة عمّتك. لا أدري ما يعجبها فيهم”. تقاطعها عمّتي، التي تعيش في باريس وزيارتها إلى تونس جاءت بسبب حادث جدّتي، “اتقي الله حرام ما تقولينه، هل تعتبرين ما نحن عليه في تونس تديّنا؟ نحن لم نكن نعرف ديننا…”. تنتفض جدّتي غاضبة “خذيني معك.. أريد أن أعود إلى بيتي.. أريد أن أشاهد فيلما.. أستمع لأغنية.. أريد أن أرى الدنيا”.
أتذكّر اليوم تفاصيل هذا الحوار الذي دار منذ سبع سنوات، وأنا أتابع تغييرات كثيرة طرأت على المجتمع التونسي، وسلوكا غريبا من حيث اللباس والخطاب وحتى التعامل بين التونسي والتونسي. تبدو وصيّة جدّتي في خضم هذا انعكاسا لمرحلة تونسية أكثر تقدّما وانفتاحا مقارنة باليوم، حيث تحوّلت تونس من منارة الاعتدال إلى دولة مصدرة للإرهابيين. وعوض أن نواصل مشوار المصلحين؛ نتحدث عن شرعية الاحتفال بعيد الحب. وتصدر وزارة التربية والتعليم بيانا تحذر فيه من تعمّد الفصل بين الجنسين في مدارس البلاد.

24