أريكة هنري روسو

الاثنين 2014/09/08

“لماذا رسمت أريكة بين الأدغال؟”.. يجيب هنري روسو: “إن للمرء الحق في رسم أحلامه”. كان الرسام الفرنسي هنري روسو (1844ـ/1910) قد علم نفسه الرسم بنفسه، غير أنه لم يتفرغ للرسم كليا، إلا بعد أن أحيل على التقاعد من وظيفته جمركيا.

يطلق عليه البعض من المؤرخين لقب “البدائي”، وهي تسمية لا صلة لها بما كان روسو يطرحه من أفكار في رسوماته، أو بما كان يستعمله من تقنيات، أو بما ابتكره من أشكال، عصاميته صارت بالنسبة إلى أولئك المؤرخين دليلا على بدائيته.

وهما أمران لا يتطابقان. كان روسو في حقيقته واحدا من أكبر الحالمين، لذلك لم يكن في الإمكان ضمّه إلى جماعة أو مدرسة فنية بعينها، بالرغم من أن البعض يدرجه ضمن تيار ما بعد الانطباعية تبعا للحقبة التاريخية التي ظهر فيها.

لم ينصفه أحد بقدر ما أنصفه السورياليون، حين وجدوا فيه واحدا من أهم أنبيائهم وآبائهم الذين مهدوا لظهورهم. كانت رسومه قد وجدت طريقها سالكة إلى المخيلة السريالية، حيث اعتبرت أحلامه بمثابة جنات يدخل إليها المرء، فيمكث فيها قليلا ليخرج منها شخصا مختلفا.

يخرج شخصا تحل فيه المتناقضات القادمة من كل مكان لتنسجم وتتلاقى في وحدة كونية، هي في حقيقتها نوع من الانعكاس لصورة الوجود الإنساني. وإذا ما كان روسو قد اهتمّ كثيرا برسم الحدائق، فإن تلك الحدائق لم تكن تشبه ما يراه المرء في الواقع. كانت تلك الحدائق مستلهمة من عالم حلمي شاسع، تتعايش فيه نباتات وزهور وأشجار لا يتسنّى للمرء أن يراها في مكان واحد وفي الفصل نفسه.

سيكون السبب الذي دفعه إلى أن يقوم بذلك الجمع غامضا، وهو ما جعل السورياليين ينظرون إلى روسو باعتباره واحدا من أهمّ ألغاز الرسم الحديث قدرة على إثارة خيالهم.

كان روسو وحيدا في أسلوبه، لا يشبه أحدا من معاصريه ولا يشبهه أحد. ولقد ظل وحيدا في تاريخ الرسم، مبهما مثل أريكته.

16