أزمات أردوغان تحول تركيا إلى دولة تابعة للصين

أنقرة تتجاهل الانتهاكات بحق الأويغور حفاظا على مصالحها.
الأحد 2020/09/20
استثمار تركي لمصالح خاصة

وسعت الأزمات الاقتصادية التي تشهدها تركيا في ظل إدارة الرئيس رجب طيب أردوغان التعاون في مجالات مختلفة مع الصين، لاسيما البنية التحتية والمجال الأمني والعسكري، ما بات ينذر بتحول تركيا إلى دولة تابعة للصين التي كانت في يوم ما تمثل دولة مجرمة في نظر أردوغان بسبب الانتهاكات في حق مسلمي الأويغور، غير أن المصالح الاقتصادية للنظام التركي جعلته يتجاهل هذه الانتهاكات، بل ذهب أردوغان إلى ما أبعد حيث أصبح يساعد الصين على محاكمة قادة هذه الجماعة.

إسطنبول - اعتاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إرسال إشارات إلى بكين بدعمه الصريح للأويغور، وهي جماعة مسلمة تتعرض لانتهاكات لحقوق الإنسان في شينجيانغ. وقال أردوغان في 2009 عندما كان رئيسا للوزراء، إن ما يحدث في الصين يعتبر “إبادة جماعية”. ولم تكن مجرد كلمات فارغة؛ فقد كانت تركيا ملاذًا آمنًا للأويغور الفارين من الاضطهاد منذ أن سيطر الحزب الشيوعي الصيني على شينجيانغ في 1949 وتستضيف أكبر عدد منهم.

ثم شهدنا تغيرا مفاجئا وغير متوقع، ففي العام 2016، ألقت تركيا القبض على عبدالقادر يابكان، وهو ناشط سياسي أويغوري بارز يعيش في البلاد منذ 2001، وبدأت في عملية تسليمه.

وفي 2017، وقعت تركيا والصين اتفاقية تسمح بتسليم المجرمين حتى لو كانت الجريمة المزعومة غير قانونية في أحد البلدين. ومنذ 2019، اعتقلت تركيا المئات من الأويغور وأرسلتهم إلى مراكز الترحيل. وقد أصبحت تصريحات أردوغان والصحف التي يسيطر عليها رديئة دبلوماسيا.

ولهذا التحول الملحوظ لأردوغان تفسير بسيط: يواجه نظامه والاقتصاد التركي أزمة. ومع عدد أقل من الأصدقاء، تعتمد أنقرة على بكين لإصلاح الأوضاع، مما يتطلب الالتزام بنقاط المحادثات مع بكين.

وتتضاعف مشاكل أردوغان: تضرر الاقتصاد التركي من الجائحة العالمية بشدة، إذ دمرت قطاعها الاقتصادي الأساسي المتمثل في السياحة.

وفي مرحلة يشدد فيها أردوغان سيطرته على البنك المركزي، تتقلص الاحتياطيات الأجنبية، ويتزايد العجز التجاري وتتراجع قيمة الليرة التركية.

كانت تركيا تعتبر نموذجا للديمقراطية والتنمية الاقتصادية في المنطقة، وهي الآن دولة استبدادية.

وفي مؤشر الديمقراطية، تحتل تركيا مرتبة ضمن العشرين الأدنى، وهي أقرب إلى الصين من الدول المتقدمة التي كانت تطمح لأن تكون منها في السابق. وأصبحت الشركات والمستثمرون الغربيون، الذين انجذبوا إلى اقتصاد تركيا سريع النمو، يهربون منها.

منذ 2016، وقعت الصين وتركيا 10 اتفاقيات ثنائية تشمل الصحة والطاقة النووية، والصين الآن هي ثاني أكبر شريك استيراد لتركيا بعد روسيا

في المقابل، توفر شهية الصين للتوسع في غرب آسيا وأوروبا لأردوغان شريان حياة.

وتوسع التعاون بين الطرفين، فمنذ 2016، وقع البلدان 10 اتفاقيات ثنائية تشمل الصحة والطاقة النووية. وتعد الصين الآن ثاني أكبر شريك استيراد لتركيا بعد روسيا.

كما استثمرت الصين 3 مليارات دولار في تركيا بين 2016 و2019 وتعتزم مضاعفة ذلك بنهاية السنة المقبلة. وأصبح التدفق المالي من الصين أمرا بالغ الأهمية لنظام أردوغان ويعزز يد الرئيس في الفترات الحاسمة. فعندما انخفضت قيمة الليرة بأكثر من 40 في المئة في 2018، قدم البنك الصناعي والتجاري الحكومي الصيني للحكومة التركية قروضا بقيمة 3.6 مليار دولار لمشاريع الطاقة والنقل الجارية.

وفي يونيو 2019، وإثر الانتخابات البلدية في إسطنبول التي أشارت إلى انهيار في قاعدة دعم أردوغان، قرر البنك المركزي الصيني تحويل مليار دولار (أكبر تدفق بموجب اتفاقية مبادلة بين البنكين المركزيين في البلدين جدّدت آخر مرة في 2012).

ومع تراجع شعبية أردوغان وسط أزمة فايروس كورونا المستجد والانحدار الحاد في قيمة العملة، أسرعت الصين لإنقاذه مرة أخرى في يونيو. وتسمح بكين اليوم للشركات التركية باستخدام اليوان الصيني لتسديد مدفوعاتها التجارية، مما يتيح لها سهولة الوصول إلى السيولة الصينية وهي خطوة أخرى إلى الأمام في التعاون المالي.

وتقدم مبادرة الحزام والطريق الصينية لتركيا مصدرا جديدا للأموال ولبكين موطئ قدم استراتيجي على البحر المتوسط.

أردوغان عمق علاقاته مع الصينيين على حساب الشعارات التي أطلقها نصرة للإيغور
أردوغان عمق علاقاته مع الصينيين على حساب الشعارات التي أطلقها نصرة للإيغور

وكجزء من مبادرة إقامة البنية التحتية، أكملت تركيا تشييد خط سكة حديد من قارص في شرق تركيا عبر تبليسي (جورجيا)، إلى باكو (أذربيجان) على بحر قزوين، أين ترتبط بشبكات النقل إلى الصين.

وفي 2015، اشترى ائتلاف تجاري صيني 65 في المئة من ثالث أكبر محطة للحاويات بتركيا في إسطنبول، واكتسب موقعا محوريا في منصّة الشحن البحري والحاويات التجارية.

كما ساعد المستثمرون الصينيون في إنقاذ مشاريع أردوغان العملاقة سيئة الإدارة. ففي يناير 2020، اشترى ائتلاف تجاري صيني آخر 51 في المئة من جسر السلطان سليم الأول الذي يربط أوروبا وآسيا عبر مضيق البوسفور بعد فشل توقعات الإيرادات ورغبة الطرف الإيطالي التركي المسيطر على الجسر في التخلي عن المشروع.

وتساعد مشاريع مبادرة الحزام والطريق في دعم أردوغان بطرق أخرى إذ عززت استراتيجية تركيا لتأكيد نفسها كممر للنقل وصورة الرئيس التركي من خلال الترويج له كشخص يمكنه تطوير البنية التحتية وجذب الأموال وتنظيم مشاريع واسعة النطاق.

وتستمر الأموال في التدفق حيث خصصت مؤسسة تأمين الصادرات والائتمان الصينية 5 مليارات دولار لصندوق الثروة التركي في 2020، لاستخدامها في مشاريع مبادرة الحزام والطريق. وتثير الشفافية والمساءلة المحدودتان المزيد من المخاوف بشأن وجهة الأموال وقدرة تركيا على السداد.

وشهد قطاع الطاقة، وهو قطاع آخر كان تطويره أساسيا لسلطة أردوغان، استثمارات أكبر تحت مظلة مبادرة الحزام والطريق. وتقدم الصين 1.7 مليار دولار لبناء محطة هونوتلو للطاقة الحرارية في أضنة بتركيا، والتي من المتوقع أن تنتج 3 في المئة من الكهرباء بالبلاد عند اكتمالها. كما تخطط أنقرة لتوقيع اتفاق مع المؤسسة الوطنية النووية الصينية لبناء ثالث محطة للطاقة النووية في تركيا.

وإلى جانب البنية التحتية، يشمل التعاون الصيني التركي تعميق العلاقات العسكرية والأمنية الثنائية، بما في ذلك في مجال الاستخبارات والحرب الإلكترونية.

مع تراجع شعبية أردوغان وسط أزمة فايروس كورونا المستجد والانحدار الحاد في قيمة العملة، أسرعت الصين لإنقاذه

فصاروخ بورا الباليستي التركي، الذي تم تقديمه في 2017، واعتماده في العملية العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني في مايو 2019، هو نتاج تعاون دفاعي ثنائي شمل مشاركة ضباط عسكريين صينيين في مناورات عسكرية تركية في 2018.

ولا تلاقي هواوي، التي تعتبر تهديدا للأمن القومي في الولايات المتحدة وعدد من البلدان الأخرى بسبب علاقاتها بالحكومة والجيش الصينيين، معارضة في تركيا.

ونمت حصتها في السوق التركية من 3 في المئة سنة 2017 إلى 30 في المئة سنة 2019. وتثير المزاعم حول استخدام الصين بنية الاتصالات السلكية واللاسلكية التحتية للمراقبة والقمع القلق، إذ يعتمد الأتراك على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومات بسبب الرقابة الصارمة على القنوات الإعلامية الأخرى.

كما استحوذت شركة “زد.تي.أي” التكنولوجية الصينية على أكثر من 48 في المئة من الشركة المصنعة الرئيسية لمعدات الاتصالات في تركيا في 2016. وتدير “نيتاش” مشاريع محورية بما في ذلك الاتصالات السلكية واللاسلكية في مطار إسطنبول الجديد ورقمنة البيانات الصحية الوطنية.

التعاون الصيني – التركي يشمل تعميق العلاقات العسكرية والأمنية الثنائية، بما في ذلك في مجال الاستخبارات والحرب الإلكترونية

اليوم، يبدو تعزيز العلاقات بين الصين وتركيا مفيدا لكلا الجانبين. فقد وجدت الصين موطئ قدم استراتيجي في تركيا التي تبقى عضوا في الناتو والتي توفّر سوقا كبيرة للطاقة والبنية التحتية وتكنولوجيا الدفاع والاتصالات السلكية واللاسلكية على مفترق طرق أوروبا وآسيا وأفريقيا. أما بالنسبة لأنقرة وأردوغان، توفر بكين الموارد التي تحتاجها البلاد لتمويل المشاريع العملاقة رفيعة المستوى والحفاظ على التنمية على الرغم من الواقع الاقتصادي.

وبنفس القدر من الأهمية، تساعد الأموال الصينية أردوغان على تجنب طلب المساعدة من المؤسسات التي يهيمن عليها الغرب مثل صندوق النقد الدولي، إذ سيتطلب منه ذلك الالتزام بالإصلاحات والتدابير الأخرى التي قد تقوض سيطرته غير المقيدة على اقتصاد البلاد.

ويجعل سبب آخر تركيا والصين تقتربان من بعضهما البعض أكثر، فالدول الغربية تنبذ كليهما بسبب ممارساتهما المناهضة للديمقراطية في الداخل والتوسع في الخارج. وليس لديهما أصدقاء كثيرون في منطقتيهما، حيث يشترك كلاهما في رغبة تحدي هيمنة الولايات المتحدة والنظام الدولي القائم على المؤسسات الغربية.

وتشمل قائمة ضحايا الشراكة الاستراتيجية الصينية – التركية الناشئة مجموعات مثل الأويغور والمنشقين في كلا البلدين. وتتطلب حمايتهم أنظمة سياسية متجاوبة أين تُحمى الحقوق والحريات من خلال المؤسسات والعمليات الديمقراطية دون التضحية بها من أجل البقاء الاقتصادي والنمو.

4