أزمات اقتصادية معقدة تستقبل الحكومة السودانية المقبلة

الحكومة السودانية المرتقبة تواجه ضغوطا هائلة من الأوساط الاقتصادية والشعبية للإسراع في انتهاج سياسات اقتصادية تقطع مع الماضي لوقف تراجع قيمة العملة المحلية ومحاصرة التضخم.
الاثنين 2019/08/26
طوابير الانتظار للظفر بما يسد الرمق

أجمع محللون سودانيون على أن الحكومة الجديدة تواجه تحديات شاقة لتحريك عجلات الاقتصاد الذي يفتقر للمرونة بسبب الأزمات المزمنة والتركة الثقيلة وهي من الأمور التي خلفتها السياسات المرتجلة خلال حكم الرئيس المعزول عمر حسن البشير طيلة ثلاثة عقود.

الخرطوم- تعترض الاقتصاد السوداني جبهة واسعة من التحديات الشاقة مع بداية عمل حكومة تصريف الأعمال برئاسة عبدالله حمدوك، المتوقع الإعلان عنها رسميا خلال أيام قليلة.

وتواجه الحكومة المرتقبة ضغوطا هائلة من الأوساط الاقتصادية والشعبية للإسراع في انتهاج سياسات اقتصادية تقطع مع الماضي لوقف تراجع قيمة العملة المحلية ومحاصرة التضخم وتحقيق معدلات نمو مستقرة.

كما تنتظرها أزمة معالجة الديون الخارجية المقدرة بنحو 50 مليار دولار وكبح العجز التجاري وإعادة العلاقات مع مؤسسات التمويل الدولية. ويقول محللون إن حمدوك أمام تركة ثقيلة من المشكلات تعرقل إعادة الروح للاقتصاد وإصلاحه عقب الانهيار الشامل الذي أوصله له حكم الرئيس السابق عمر البشير، على مدى ثلاثة عقود من التجارب المريرة التي دفع ثمنها السودانيون.

وأجمع هؤلاء في تصريحات لوكالة الأنباء السودانية الرسمية على صعوبة المهمة، التي تنتظر حمدوك خاصة أنه جاء في وقت شهدت فيه البلاد تدهورا غير مسبوق في الاقتصاد وانهيارا في أساساته.

محمد الجاك أحمد: حكومة حمدوك مطالبة بتهيئة كافة جوانب البيئة الاستثمارية
محمد الجاك أحمد: حكومة حمدوك مطالبة بتهيئة كافة جوانب البيئة الاستثمارية

وكان حمدوك قد بعث برسائل طمأنة في أول لقاء مع الصحافة عقب تأدية اليمين الدستورية الأسبوع الماضي حينما أشار إلى أنه سيعتمد خطة لمواجهة التحديات الطارئة ومعالجة قضايا التضخم وتوفير السلع والعناية بالقطاعات المنتجة.

كما تعهد بإعادة هيكلة النظام المصرفي الذي قال إنه “شارف على الانهيار”، مشيرا إلى القضايا الاجتماعية “الحارقة” التي لم تعد تقبل المساومة مثل معالجة الفقر ومجانية التعليم والصحة.

ونوّه إلى ضرورة الاستفادة من التجارب الاقتصادية العالمية، والمزج بينها في ضبط توجهات البلاد الاقتصادية واستند في ذلك إلى ما أسماه بالمناخ السياسي الملائم ما يساعد على العبور بالسودان إلى بر الأمان.

وأظهر الخط، الذي سارت فيه الخرطوم في ظل حكم البشير حجم ارتباك السلطات، التي تغير تحالفاتها بين فترة وأخرى وكان آخرها مع تركيا رغم تفاقم متاعبها الاقتصادية قبل سنوات حين راهنت على التقارب الاقتصادي مع إيران.

ونسبت الوكالة السودانية لأستاذ الاقتصاد بجامعة الخرطوم محمد الجاك أحمد قوله إن “حالة الاستقرار الأمني والسياسي ستنعكس إيجابا على مجمل الأوضاع الاقتصادية ما يتيح إقامة شراكات اقتصادية واستثمارية مع دول العالم”.

وأوضح أن المطلوب من حكومة حمدوك في هذه المرحلة العمل على تهيئة مناخ الأعمال في جوانبه القانونية والتشريعية والاقتصادية لجذب الاستثمارات المالية والمصرفية مع السعي لتوظيف فوائض رؤوس الأموال العربية في دعم مشروعات تأمين الغذاء العربي والمشروعات المشتركة. وأكد أن الانفراج الذي تشهده علاقات الخرطوم مع دول الخليج والغرب بقيادة الولايات المتحدة من شأنه أن يعيد التوازن لاقتصاد البلاد.

وهناك اعتقاد سائد بأن الدعم السعودي والإماراتي سيسمح للخرطوم بترتيب ملفاتها الاقتصادية ولو أن الأموال المرصودة لن تحل إلا جزءا بسيطا من المشاكل المزمنة. وتبلغ قيمة الدعم 3 مليارات دولار تشمل وديعتين بقيمة إجمالية تبلغ نصف مليار دولار في بنك السودان المركزي، بينما يتجه الباقي لفاتورة الوقود والقمح والدواء.

وترى رئيسة قسم الاقتصاد بجامعة السودان العالمية ماجدة مصطفى صادق أن الحكومة الجديدة مطلوب منها العمل على الخروج بالاقتصاد من نفق الأزمة ومحاولة تقديم الحلول العاجلة للمشاكل الآنية التي تتعلق بمعاش الناس.

وتتوقع الخبيرة الاقتصادية قيام الإدارة الأميركية برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مما يجعل أبواب البلاد مشرعة أمام الاستثمارات الأجنبية في مختلف المجالات من الزراعة والتعدين والبنى التحتية والسياحة والمواشي.

ولا يزال الاقتصاد يرزح أيضا تحت إرث البشير، حيث تم فرض عقوبات في البداية لدعمه مجموعات مسلحة ثم لاحقا بسبب الحملة التي شنها لسحق المتمردين في إقليم دارفور بغرب البلاد.

هناك اعتقاد سائد بأن الدعم السعودي والإماراتي سيسمح للخرطوم بترتيب ملفاتها الاقتصادية ولو أن الأموال المرصودة لن تحل إلا جزءا بسيطا من المشاكل المزمنة

ونظرا لأن السودان لا يزال مدرجا على قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، وعليه متأخرات لصندوق النقد الدولي بنحو 1.3 مليار دولار، فإنه لن يستطيع اللجوء إلى الصندوق أو البنك الدولي لطلب الدعم.

وتكافح البنوك السودانية لاستعادة علاقات المراسلة مع المصارف الأجنبية في ظل استمرار الحظر الأميركي رغم شطب جزء كبير منه في أكتوبر 2017. ولفتت الخبيرة السودانية إلى أن الاستقرار السياسي الذي سوف تشهده البلاد سيؤدي إلى سرعة إنجاز الأعمال وإزالة القيود البيروقراطية ويشجع على المزيد من دخول الاستثمارات.

وتعتقد أن من أولويات الحكومة المقبلة استكمال المفاوضات الخاصة بانضمام السودان لمنظمة التجارة الدولية. وقالت إن “نجاح السودان في الانضمام لمنظمة التجارة الدولية سيلقى الكثير من الدعم المالي واللوجستي، مما يمكنه من الخروج من مأزق عجز ميزان المدفوعات”.

ومن شأن الاستثمار في مجال البنية التحتية تشجيع قيام المصانع والصناعات المرتبطة بالزراعة، كما سيؤدي إلى سهولة الاتصال وتحسين خدمات الخطوط الجوية وحركة الموانئ والإسهام بصورة فعالة في زيادة حجم صادرات السودان.

11