أزمات العرب.. هل إلى خروج من سبيل

الأربعاء 2015/09/09

يعيش معظم الدول العربية اليوم أزمات مختلفة بدءا من أزمة الضمير المهني، وليس انتهاء بإشكاليات الهوية والانتماء وشرعية الأنظمة الحاكمة، ومع أننا على المستوى القطري (المحلي)، وأيضا القومي، نكرّس لما يمكن أن نطلق عليه خطاب الاعتراف، إلا أن ذلك لا نجده مصحوبا بمشاريع واضحة للخروج من أزمات تحوّلت مع الأيام والسنوات في بعض الدول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، يتجاوز تأثيرها الخلافات حول القضايا المشتركة بين أفراد المجتمع وبين الشعوب إلى مسألة الوجود، وخير دليل على ذلك الهجرات المتواصلة نحو عوالم مختلفة ثقافيا وحضاريا عن المجتمعات العربية، والتي تُمثّل هروبا جماعيا من واقع ساهمت أطراف عدة في تحويله إلى جحيم.

على مستوى التنظير، لا جدوى من خطاب يقوم على تحليل الأوضاع، ليس فقط لأن الشعوب ملّت من تكرار أحاديث وتصريحات لا تقدم حلولا للمشكلات بما فيها تلك التي تطلب معالجة آنية، لأنها غير قابلة للانتظار، وهي تختلف في درجة الأهمية من دولة عربية إلى أخرى، وإنما لأنّ الالتزام، ولو بدرجة دنيا، لا يشكل قضية جوهرية لمن يصنعون القرار، بغض النظر عن مواقعهم في المسؤولية، والاستثناءات الموجودة في بعض الدول، أو في بعض المؤسسات لا يمكن القياس عليها، لأن الحالة عمّت، وهي ليست من المصائب التي إذا عمّت خفّت، كون أن أعباءها تقع على الجميع، بل إنها على العكس من ذلك تماما، فمثلا ظهور جماعات إرهابية وتغوّلها في دولة عربية ما، لا يرجى منه خيرا أبدا لجهة المواجهة بانتشاره في كل الدول العربية الأخرى.

وبالعودة إلى مسألة الاعتراف بما نواجهه على الصعيديْن القومي والقطري، فإننا لا ننكر اتساع مساحة الاجتهاد السياسي، خاصة على مستوى الدوائر الضيّقة لصناعة القرار، لكنه اجتهاد لا يدرك المتغيرات، ولا يزال أصحابه، وضمن نظرتهم الأحادية، يعتمدون أساليب كلاسيكية لحل مشكلات معاصرة، بما فيهم أولئك الذين يروّجُون لشعارات الديمقراطية، والنتيجة المزيد من الابتعاد عن حلول عملية، وأيضا المزيد من الغرق العام في أوْحال المشكلات ذات الطابع المستقبلي، ما يعني أننا لا نزال أمام سؤال جوهري، هو هل إلى خروج من سبيل بعد الاعتراف بحاجتنا إلى التغيير؟

كثيرة هي القضايا التي تُسْنِد ما نذهب إليه، وهي تجمع بين ما هو محلّي وما هو قومي، وتُعبّر عن الزمن العربي المشترك، وتتجاوز حدود الجغرافيا، والأكثر من هذا أنها محل إجماع، وإن اختلفت طرق معالجتها، منها على سبيل المثال: مسألة الشرعية، ومقاومة الإرهاب، والحاجة إلى تكوين قوة عسكرية عربية.

فالنسبة إلى القضية الأولى، أي الشرعية، وهي مثارة اليوم في عدد من الدول العربية، وقراءتها محل خلاف في داخل كل دولة وأيضا بين الدول العربية، وعلى خلفيتها تشتعل الحرب اليوم في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا والأراضي الفلسطينية المحتلة، وتلقي ببعض من ظلالها على مصر، ويبدو غيابها مؤسسا قانونيا وانتخابيا في الجزائر على خلفية مرض رئيسها، وفي السودان على خلفية مطاردة الرئيس عمر البشير من طرف المحكمة الجنائية الدولية.

على خلفية الشرعية ندخل اليوم حرب استنزاف طويلة الأمد، سواء بشكل مباشر كما هي الحال اليوم في سوريا، حيث يصر النظام والمعارضة على الإقصاء واللجوء إلى الخيار العسكري باعتباره الحل الوحيد، وإن كان بعض المؤشرات، من خلال النشاط الدولي الروسي تحديدا، تشير إلى احتمال الوصول إلى حل سياسي مع مطلع السنة المقبلة (2016)، وفي اليمن من خلال استنجاد السلطة الشرعية بقوات التحالف العربي لإنقاذ الدولة بالقوة، وهو ما نراه في الحرب الدائرة، التي هي الآن في بداية شهرها السادس، ولا ندري متى تضع أوزارها، وفي العراق، حيث الاقتتال على خلفية من هو الأحق بالسلطة وبالشرعية على أساس مذهبي وطائفي، وأيضا على خلفية التجاذبات بين المرجعيات الدينية من جهة، والمرجعيات السياسية، إن جاز التعبير، من جهة أخرى.

أو بشكل غير مباشر كما هو الأمر في مصر والجزائر والسودان، وقد تتوسعُ الدائرة في المستقبل لتشمل لبنان ولتكرس التقسيم بين سلطتي غزة ورام الله، وفي هذه الدول تبدو مسألة الشرعية محسومة ومؤسسة قانونيا، ولكنها لا تزال محل خلاف بين قوى سياسية اتخذت من العنف سبيلا، بما لا يرقى إلى حرب أهلية، ولكنه يؤثر سلبا على الدولة، ويدخلها في حرب استنزاف طويلة تقضي على أمرين: الأمان والتنمية.

القضية الثانية، تتمثل في الحرب على الإرهاب، وهي عمل متفق عليه عربيا، لكن طريقة مكافحته محل خلاف بين الدول العربية، حيث أن كل دولة عربية تنطلق من تجربتها الخاصة، الأمر الذي ساعد على انتشاره، خاصة بعد أن موّلت بعض الدول جماعات سياسية تحوّلت إلى تنظيمات إرهابية، ليس هذا فقط بل إن الدول العربية أقرب للدول الغربية في محاربتها للإرهاب، داعش على سبيل المثال، منها إلى شقيقاتها، وباختصار لا توجد استراتيجية عربية شاملة لمواجهة الإرهاب رغم اتفاقيّات وبروتوكولات التعاون في هذا المجال.

القضية الثالثة، تتعلق بتكوين قوة عربية لمواجهة موجات الإرهاب، والتي لا تحظى بموافقة عربية جماعية، بل إن الدول التي أبدت استعدادها وتحمّست لها عند طرحها في القمة العربية الأخيرة بشرم الشيخ، تراجعت اليوم، أو انشغلت، أو أصبحت لديها التزامات مختلفة ضمن ظروفها المحليّة ومحيطها الإقليمي، ويبدو أن حماية الأمن القومي العربي لم تعد أولوية، بعد أن تقدم عليها الأمن المحلي والإقليمي.

مهما تكن الحالة التي تعيشها الأوطان العربية، قطريا وجماعيا، لجهة الاختلاف حول قراءة الواقع والمساهمة في حل المشكلات، فإن التداعيات ستفرض علينا جميعا التفكير في الخروج من الأزمة، وإلا سيكون الفناء الحضاري لنا قرينا.

كاتب وصحفي جزائري

9