أزمات المغرب العربي بين داعمي الاستقرار ودعاة التوتر

الاثنين 2015/04/20
المغرب مستعد دائما لمعاضدة الجهود الأممية لحل الأزمات العالقة

تكشف الأزمات والقضايا العالقة التي تشهدها منطقة المغرب العربي عن تباين حاد، بين سياسات، المغرب والجزائر. ففي حين يسعى المغرب من منطلق سياسة حسن الجوار التي يسير على هديها إلى خلق أطر للحوار تفضي إلى إيجاد حل سياسي للأزمة الليبية، يكفل لليبيا وللمنطقة برمّتها عودة الأمن والاستقرار، تسير الجزائر على خلاف هذا الهدي، من خلال اعتمادها إستراتيجية تصعيد التوتر دعما لأطروحاتها الانفصالية في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، على حساب مبدأ حسن الجوار وحق المغرب في سيادته على كامل أراضيه واستقرار شعوب المغرب العربي عموما.

تمر منطقة المغرب العربي بفترة سياسية من أدق فتراتها، سواء نظر إليها من زاوية القضايا الداخلية لدولها ومجتمعاتها، أو من زاوية بعض التوترات الدبلوماسية والسياسية والحدودية التي تشهدها.

وباستعراض بعض معطيات ومواصفات الصراعات التي تخترق مجتمعات المغرب العربي، ولا سيما ما يشكل منها بؤر توتر بارزة، كما هو شأن في ليبيا، والتوقف عند توترات الحدود المغاربية لأسباب سياسية وإستراتيجية متفاوتة، تطرح فرضية تفسيرية أساسها أنّ بعض الدول في المنطقة تحاول الاستفادة إلى أقصى حد ممكن من هذه الأوضاع المتوترة لتحقيق أهدافها السياسية، دون إعارة أيّ اهتمام يذكر للمخاطر التي ينتجها هذا الواقع، والتي تهدد أمن واستقرار المنطقة برمّتها شأن السياسة الجزائرية، خاصة ما يتعلق منها بقضية الصحراء المغربية المفتعلة، على خلاف دول أخرى آثرت الذود عن أمن واستقرار جيرانها من خلال اتباعها لسياسات حسن جوار راسخة شأن ما يبذله المغرب من جهود لحلحلة عقد الأزمة الليبية والتوصل إلى حل سياسي يعيد الاستقرار إلى البلاد.

ويمكن اعتبار وضع العنف والاحتراب الداخلي في ليبيا ومضاعفاته على دول الجوار من جهة، وتوتّر العلاقات المغربية الجزائرية المزمن، جراء استمرار النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء من جهة أخرى، نموذجين مفسرين لفرضية انطلاق هذه المعالجة التحليلية للوضع السائد في المنطقة المغاربية، والدور المركزي الذي يلعبه التوتر في سياسات بعض الدول، على حساب المصالح العليا لشعوب المغرب العربي التي يتم التّغني بها على صعيد الشعارات، ولا نجد لها ترجمة ملموسة على أرض الواقع.

المغرب يحاول إيجاد حل للأزمة الليبية يشيع الأمن في البلاد أولا ويخفف من حدة الفوضى التي تتهدد أمن المنطقة عموما

المغرب وسياسة حسن الجوار

دفع هذا المنعرج الخطير الذي انزاحت نحوه الثورة الليبية ببعض القوى الإقليمية والدولية، شأن المغرب، إلى تدشين مرحلة من التحرك السياسي لوضع حد لتدهور الأوضاع المأساوية وتجاوز حالة الانقسام السائدة بين مختلف القوى الفاعلة في الوضع، وخاصة بين حكومة معترف بها دوليا في شرق البلاد وبرلمان منتهي الصلاحية ويبحث عن الاستمرار بدعم من قوى متطرفة مدعومة من الخارج شأن تنظيم “فجر ليبيا” الذي بسط سيطرته العسكرية على العاصمة طرابلس.

وفي سياق هذا التحرك السياسي الذي يهدف إلى إيجاد حل للأزمة الليبية تمّ عقد سلسلة من اللقاءات السياسية بين مختلف الفرقاء الليبيين في عواصم متعدّدة، أبرزها في مدينة الصخيرات المغربية تحت إشراف الأمم المتحدة. وقد بدأت تبرز على السطح بوادر تسجيل بعض التقدم في المساعي الجارية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تضع حدا للانقسام الراهن، باعتباره الخطر الأكبر على وحدة ليبيا واستقرارها.

ولعل الأمل قد بدا ينمو في أن تفضي جلسات الحوار والتفاوض بين أطراف الصراع السياسي في ليبيا، التي استؤنفت في مدينة الصخيرات في ضاحية العاصمة المغربية الرباط، إلى وضع بنود الاتفاق المبدئي القاضي بتشكيل حكومة وحدة وطنية في ليبيا على سكّة التنفيذ من خلال تحديد شروط تشكيل هذه الحكومة والتّدقيق في صلاحياتها ضمانا لقيامها بدورها على أفضل وجه في المستقبل.

هذا الأمل المتنامي يردّه مُتابعون في بعد من أبعاده إلى سياسة حسن الجوار التي يتبعها المغرب الذي لطالما وضع أمن واستقرار جيرانه على رأس أولوياته، وهو ما يبدو جليا من خلال محاولات تخفيف التوتر الذي تشهده ليبيا والسّعي الدؤوب للوصول بالفرقاء إلى حلّ يُرضي جميع الأطراف، من أجل إشاعة الأمن في ليبيا أولا والتخفيف من حدة الفوضى التي تتهدد أمن المنطقة عموما. وهو ما تحرص القيادة المغربية على أن يطبع سياساتها مع جل الأزمات التي تجد نفسها بحكم دورها الإقليمي الفعّال الذي تقدره القوى الدولية طرفا من الأطراف العاملة على إيجاد مخارج وحلول لها.

الجزائر سعت إلى تمويل وتسليح وإيواء العصابات المسلحة في الصحراء المغربية

الجزائر وإستراتيجية التوتر المزمن

على خلاف السياسة المغربية التي تسعى دائما إلى المساعدة على تخفيف التوترات إعلاء لمصالح جيرانها وذودا عن أمنهم واستقرارهم، تسير سياسة الجارة الشرقية للمملكة، الجزائر، على هدي معاكس تماما، لا يخلو من العدائية، خاصة في ما يتعلق بالصراع المفتعل حول قضية الصحراء المغربية.

حيث لم يعد ممكنا لأيّ متابع واكب تطورات قضية الصحراء المغربية والنزاع الإقليمي المفتعل حولها، منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، وخاصة بعد تنظيم المسيرة الخضراء، في عهد العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني لاسترجاع أقاليم المغرب الجنوبية من الاستعمار الأسباني، إنكار أنّ الجزائر قد قرّرت، ومنذ ذلك الحين، العمل على عرقلة كل مساعي المغرب في سبيل استرجاع صحرائه المغتصبة.

وقد جعلت الجزائر في قلب إستراتيجيتها، إشاعة التوتر في منطقة المغرب العربي، ورعاية مشروع الانفصال في الصحراء المغربية من خلال تمويل وتسليح وإيواء العصابات المسلحة التابعة لجبهة البوليساريو التي ارتكبت من الجرائم في حق سكان الصحراء المغربية ما يندى له جبين الإنسانية خلال السنوات الأولى لهذا النزاع، من خلال تهجير واستعباد المغاربة الصحراويين في معسكرات اعتقال جماعي في تندوف تحت مراقبة وإشراف المخابرات العسكرية الجزائرية الضالعة في جريمة المتاجرة بقضية المحتجزين والاستيلاء على المساعدات الأممية للمهجرين الصحراويين بتنسيق كامل مع قيادة البوليساريو.

ولم تدّخر البوليساريو جهدا في قمع احتجاجات المغاربة الصّحراويين المحتجزين دون أن يرف جفن للمنظمات الحقوقية الإقليمية والدولية التي لا تتردد في رفع عقيرتها احتجاجا على ما تزعم أنه “خرق” مغربي لحقوق الإنسان في الصحراء المغربية، كلّما اضطرت الحكومة في إطار مسؤوليتها على سلامة وآمن المواطنين وممتلكاتهم وفي إطار ممارسة صلاحياتها السيادية غير القابلة للتصرف الحد من أعمال الشغب والاعتداءات التي يتعرض لها المواطنون من قبل عصابات البوليساريو، خاصة مع اقتراب أيّ استحقاق إقليمي أو دولي لطرح قضية النزاع المفتعل حول الصحراء على طاولة التداول.

الجزائر تجعل في قلب إستراتيجيتها إشاعة التوتر في المغرب العربي ورعاية مشروع الانفصال في الصحراء المغربية

ويعدّ هذا السلوك جزءا مركزيا في سياسة العمل على توتير الأجواء الأمنية والسياسية التي تستغلها الجزائر في محاولة منها لتمكين دبلوماسيتها المناوئة أساسا للمغرب، من بعض الزخم الذي تحتاجه لتجاوز خيبات الأمل الكثيرة، التي منيت بها سياساتها الدعائية، في دعم أطروحات الانفصال، تحت دعاوى حق تقرير المصير الكاذبة.

ويأتي هذا التصعيد العدائي الجزائري في ظلّ عدم خضوع المجتمع الدولي وقواه الأساسية لسياسة الابتزاز التي اتبعتها الجزائر على مدى عمر هذا النزاع الذي ناهز أربعين سنة، حيث أثبت المغرب أنّ حقه في استكمال وحدته الترابية وبسط سيادته على كامل ترابه الوطني، حقّ مشروع تعترف له به كل القوانين والأعراف الدولية منذ جلاء المستعمر الأسباني عن الصحراء الذي يعد حالة ملموسة لتقرير المصير.

وعلى الرغم من أنّ سياسة توتير الأوضاع التي اتبعتها الجزائر، قد فرضت على الدولة والشعب المغربي، أعباء اقتصادية وسياسية إضافية، كان من الممكن تفاديها لو سلكت القيادة الجزائرية طريق العقل والحكمة في تعاطيها مع المغرب، إلاّ أن هذا لم يؤثر على جوهر التوجهات الأساسية للسياسة المغربية التي آثرت العمل على رفع مختلف التحديات التي فرضها هذا الواقع، وتجاوز منطق التصعيد مع الجزائر، أملا في عودة الوعي إلى الساسة المتنفذين الذين لا يفكرون بغير مصالحهم في الجوار الجغرافي، وتدشين مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية الإيجابية والمثمــرة بين البلدين، ومع مختلف دول الجوار الأخرى، تُعطي الأولوية لكل ما من شأنه أن يُخفّف من حدة التوترات، وليس اعتماد سياسة التصعيد والتوتر كإستراتيجيــة ثابتة في معالجة قضــايا الخلاف كما فضلـت الجزائر ذلك إلى حدّ الآن.

6