أزمات على جبهات متعددة تفقد مناوشات الأهلي والزمالك جاذبيتها

مضاعفة الخطابات التحذيرية بشأن الأزمات، والخوف من تورط مصر في صدام خارج الحدود، أوجد اهتماما بديلا عن كرة القدم.
الجمعة 2020/06/19
المصريون حبيسو هموم الداخل وتحديات الإقليم

القاهرة - في كل مرة تحتدم فيها الخلافات بين ناديي الأهلي والزمالك، الأكثر شعبية في مصر، ينشغل قطاع عريض من المواطنين بمتابعتها، إلى الدرجة التي خلّفت قناعات لدى البعض بأن الحكومة هي المستفيد الأول من تلك المشاجرات الكروية، خصوصا وأنها لا تبدي أي مواقف حاسمة لمنع التجاوزات بين أنصار الفريقين.

في آخر جولات المناوشات بين الناديين العريقين قبل يومين، بدا الوضع مختلفا، لم تعد هناك متابعة كثيفة من الجمهور، ووجدت شريحة كبيرة من المواطنين نفسها حبيسة هموم كورونا وتوابعها، ومخاوف من تطورات الأزمة في ليبيا، وقلق من تصاعد الموقف من ملف سد النهضة، وبدأ يتجدد الحديث حول ضرورة الإصلاحات السياسية في الداخل، مع تحديد مواعيد مبدئية حول إجراء انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب، في شهري أغسطس ونوفمبر على التوالي.

لم يترك المجلس الأعلى للإعلام الأزمة الجديدة بين الأهلي والزمالك على عواهنها كالعادة، وهدد بغلق قناتيهما حال تكرار التراشق الذي حدث بين مسؤولي الناديين، عقب التحقيق معهما في البلاغات التي قدمها كل طرف متهما الآخر بالسب والقذف والخروج عن التقاليد.

احتدم الشد بين الفريقين في وقت توقف فيه النشاط الرياضي، منذ مارس الماضي، ومرجح أن يعود 25 يوليو المقبل، وأخذ منحنى تصاعديا منذ أن قرر نادي الزمالك فتح ملف قديم مرت عليه 20 عاما وهو تتويج النادي الأهلي بلقب نادي القرن العشرين.

طالب رئيس الفريق الأبيض (الزمالك) بأحقيته في اللقب، واتهم قيادات الأهلي (الفريق الأحمر) بالتورط في تغيير لوائح الاتحاد الأفريقي (كاف) لصالحه، وتعهد باتخاذ إجراءات قانونية عبر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).

في بعض الأوقات التي تمر فيها مصر بظروف سياسية واجتماعية واقتصادية صعبة، كانت اهتمامات المواطنين بالرياضة تأتي في صدارة الأولويات، وعدّت وسيلة مناسبة للهروب من المشكلات التي يعانون منها، ووجدت حكومات متعاقبة ضالتها في أن تكون كرة القدم بشكل عام ثغرة لتفريغ الطاقات، ووظفت حالة انشغال الرأي العام بها لصالحها.

يقول إبراهيم معوض، وهو موظف حكومي في مطلع الأربعينات، “يتملكني شعور بأن بلادي في مفترق طريق تحتاج فيه لقرارات سليمة، لأن أي تصرفات خاطئة ستؤثر بشكل مباشر على حياتي وأولادي، فالدخول في صراع خارجي سينعكس بشكل كبير على الوضع الاقتصادي الصعب بطبعه”.

اهتمامات المواطنين بالرياضة تأتي في صدارة الأولويات
اهتمامات المواطنين بالرياضة تأتي في صدارة الأولويات

لم يخف الموظف المصري قلقه من الأوضاع الصحية التي تعاني منها البلاد، في ظل انتشار فايروس كورونا، وسط مخاوف من عدم قدرة البنية التحتية على التعامل مع الإصابات اليومية المتصاعدة.

يعتقد متابعون، أن مضاعفة الخطابات التحذيرية بشأن الأزمات من قبل النخب على منصات التواصل، والخوف من تورط مصر في صدام عسكري مباشر خارج الحدود، أوجد اهتماما بديلا عن كرة القدم والشغف بإثاراتها، وعادت الهموم السياسية إلى الجمهور.

أدى تجريف الحياة الحزبية خلال السنوات الماضية إلى انشغال فئة كبيرة من المصريين بقضايا ثانوية، وبدت مناوشات الأهلي والزمالك خيارا للتنفيس، وإظهار الانحيازات الكروية تعبيرا عن الكبت.

لا تخلو هذه المسألة من مسحة سياسية، فمشجعو الأهلي تقليديا يمثلون السلطة بشعبيتها الجارفة وغرورها وبطشها، ومشجعو الزمالك يمثلون المعارضة بأطيافها المتعددة، من حيث المهارات الفنية، والقدرة على التخفي، والصوت العالي أحيانا.

يؤكد الناشط السياسي جمال أسعد، أن المصريين يعيشون على وقع الصدمة جراء اشتعال الأزمات على جبهات مختلفة، لأن هناك جبهة مفتوحة في سيناء مع الإرهابيين، وأزمات اقتصادية ممتدة، وقلقا من عدم السيطرة على انتشار كورونا، وحشدا عسكريا على الحدود الغربية أقرب إلى الاستعداد لإعلان حرب، ولذلك أصبح الوعي الجماهيري مطلوبا.

وأشار لـ”العرب”، إلى أن الصراع الكروي بين الأهلي والزمالك موروث اجتماعي، ويمثل جزءا من الضمير الجمعي، لكنه قابع ومؤجل إلى حين تتهيأ الأوضاع، ويرتبط ذلك بمدى انحسار الأزمات أو شدتها.

ليس من مصلحة الحكومة المصرية اتباع سياسة الإلهاء في هذه الأجواء، لأن اهتمام وسائل الإعلام المستمر بقضايا فرعية وهامشية جعل المواطنين ينشغلون بأمور سطحية، مثل خلافات الأهلي والزمالك، بشكل مستمر بما يغطي على قضايا الأمن القومي الملحة، ويجعل استعادتها في الأوقات الحرجة كغطاء شعبي عملية صعبة.

أوضح أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة القاهرة أحمد مجدي حجازي، أن الدورة الحياتية للشعوب غير مستقرة حاليا، وأضحت الهموم مسيطرة على سلوكيات قطاع كبير من الناس، وزيادة رقعة النزاعات بين الدول، ما يترتب عليه التغيير في الأولويات، بما يؤدي إلى حالة من التبديل والتعديل في القضايا المهيمنة على الشأن العام.

وأكد لـ”العرب”، أن كرة القدم لم تعد أولوية كبيرة في حياة البشر، وسوف ينعكس ذلك على قلة اهتمام الجمهور بالموضوعات الكروية مثل مشاجرات الأهلي والزمالك، كما أن احتدام القضايا السياسية يتطلب إفساح المجال العام أمام التعبير بحرية عن وجهات النظر.

2