أزمات وإنترنت

طالما هناك إصبع يُشبع تنمّرنا الضاحك الباكي، فلا مُشكلة البتة من الانصياع لأوامره الحاذفة لكل مُشكل سبق.
السبت 2018/12/15
نوافذ مفتوحة على مصراعيها لاستقبال الترّاهات

تعويضات بالمليارات تذهب لحزب دون سواه، امتحانات مؤجلة حتى إشعار آخر في ظل الصراع المُحتدم بين وزارة التربية والتعليم ونقابة أساتذة التعليم الثانوي عمرها فاق -الآن- السنة، تضخم مالي وانهيار غير مسبوق في قدرة المواطن الشرائية، نقاشات صاخبة وأخرى هادئة بين مُعارض ومُوافق على قانون المالية لسنة 2019 بقبة مجلس نواب الشعب التونسي، ليمُرّر القانون، وإن كره الناخبون.

وفي الأثناء يُطالعنا الفضاء الافتراضي “الأزرق” بخبر علاقة حميمية بدأت تتشكّل بين مغني الراب التونسي كادوريم ونسرين بن علي الابنة الكبرى للرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي وطليقة رجل الأعمال صخر الماطري!

لينطلق التنمّر الإلكتروني على أشدّه في سباق محموم نحو التندّر بالخبر وحواشيه، على “السوشيال ميديا”، تحديدا الفيسبوك، الفضاء الافتراضي الأقرب والأسهل استعمالا بالنسبة إلى التونسيين، والذي تقول آخر الإحصائيات المتخّصصة في المجال الإلكتروني إن ما يفوق السبعة ملايين ونصف المليون تونسي يشتركون في هذا الفضاء “الزوكربيرغي”، فيتفاعلون ويفعلون ما يحلو لهم دون وازع أو رقيب من وراء شاشة هاتف ذكي يَرَى ولا يُرَى مُستعمله الخفي اسما وعنوانا أحيانا، بل دائما.

أجل، فالإحصائيات تؤكّد أن نحو 60 بالمئة من مستعملي الإنترنت في تونس يمتلكون هواتف ذكية، أي أنهم في حالة تفاعل حيني مع المُستجدات، مما يُعزّز الشتات المعلوماتي التسونامي الذي يتحفنا به الفيسبوك مع كل هاشتاغ جديد، فتضيع قضايا الوطن الحارقة بين المع والضدّ، والأغلب هو الضدّ، في مثل هذه المواضيع الجانبية التي لا تُقدّم ولا تُؤخّر، بل تشتت انتباه المواطن المسلوب الإرادة أمام سطوة الإصبع الأزرق، القادر وحده على إلهائنا عن كل مُستجد طارئ وطارق على نوافذنا المفتوحة على مصراعيها لاستقبال الترّاهات.

فأكثروا أهلي من الإعجاب وهرولوا إلى التغريدات الفريدة والتعليقات الشريدة، ولا تبالوا بغلاء المعيشة وانقسام البيت الواحد في ظل توفّر أكثر من هاتف ذكي إلى عدد لا يُحصى ولا يُعد من الـ”إيموجي” المُتعدّد الحركات والانفعالات، ولا تهتموا مُطلقا بانزلاق الدينار وما يعتريه من أخطار على الاقتصاد الوطني، فطالما هناك إصبع يُشبع تنمّرنا الضاحك الباكي، فلا مُشكلة البتة من الانصياع لأوامره الحاذفة لكل مُشكل سبق.

وقديما قيل: اشتدي أزمة… و”تَفرّجي” على المتاهات في الإنترنت!

24