أزمة أوكرانيا: الطموح الامبراطوري يضع موسكو خارج العصر

الجمعة 2014/03/07

شهد مطلع التسعينات انهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الاشتراكية وحلف وارسو، تحت ضغط انتفاضات شعبية في روسيا وشرق أوروبا. كانت فترة فاصلة بين حقبتين وأيديولوجيتين. وساد خلالها جدل في العالم حول “نهاية التاريخ” و”سقوط الأيديولوجيات”، و”انتصار الرأسمالية”، غير أن الثابت هو أن الاشتراكية بنمطها السوفيتي سقطت تحت وطأة انتفاضة الشعوب التي رفضتها، ولم تهزم النموذج الرأسمالي الذي سرعان ما أطل “متوحشا” في روسيا. الرأسمالية التي حملت يلتسين إلى الحكم ثم بوتين الحاكم الحالي لروسيا.

كان من شأن ذلك التحول أن ارتفعت الأصوات تنادي بوقف تمدد النفوذ الأميركي بعد غياب العدو الأممي الأحمر، كما انطلقت سيناريوهات يفيد بعضها أن مسيرة البشرية لا تستقيم مع وجود قطب واحد هو القطب الأميركي، وأن طبيعة التدافع البشري والحضاري ستقود إلى بروز قطب جديد بملامح إنسانية وبالحدّ من عسكرة السياسة الخارجية، وهذا ما يحتّمه انتهاء الحرب الباردة. حدث شيء من ذلك مع تتويج الاتحاد الأوروبي لمسيرته الطويلة عام 1992 وبدء اجتذاب الدول الأوروبية الخارجة عن الفلك السوفيتي إلى الاتحاد القاري. وأهداف الاتحاد تنحصر داخل القارة «العجوز» ولا يتوسل بناء منظومات عسكرية خارج القارة.

أزمة أوكرانيا الأخيرة تجتمع فيها تداعيات انهيار الاتحاد السوفيتي مع قوة الجذب الهائلة لصعود الاتحاد الأوروبي، فالمعارضة النشطة في هذا البلد قامت على أساس التطلع للالتحاق بالاتحاد الأوروبي، أما الحكم الذي كان قائما فكان يريد الارتباط الدائم بموسكو وفق “رابطة الدول المستقلة” التي تتصدرها روسيا، والتي نشأت كإطار ناظم وبديل عمليا عن إطار الاتحاد السوفيتي. وهذه هي في واقع الأمر رؤية القوميين الروس لهذه الرابطة ومنهم بوتين الذي يريد عودة أوكرانيا إلى بيت الطاعة، ويرفض سيادة هذا البلد وخياراته المستقلة.

في سنوات الاتحاد السوفيتي كانت أية محاولة تمرد جزئية تقمع بالقوة بقرارات حزبية من الحزب الشيوعي في موسكو والحزب الشيوعي المحلي المرضي عنه في موسكو. الآن تتحدث موسكو عن “مصالحها” التي تملي عليها وتجيز لها الطعن في استقلال بلد آخر. إنه نموذج أشبه بنموذج المستعمرات التي تلوح بالتمرد كما كان عليه الحال في أفريقيا وآسيا قبل قرن على الأقل، في حقبة الاستعمار القديم البريطاني والفرنسي والأسباني والبرتغالي والإيطالي.

لا تدافع القيادة الروسية الحالية سوى عن مطامح قومية للنظام القائم في بسط السيطرة والنفوذ خارج الحدود. الشعوب خارج المعادلة، بل حتى خارج الخطاب الدعائي. مع ذلك يطيب لقوميين ويساريين عرب تصوير بوتين على أنه نسخة جديدة لزعيم سوفيتي يكافح الإمبريالية الأميركية، وذلك خلافا للواقع الذي نشأت فيه إمبريالية روسية تتخذ من العداء لأميركا مادة دعائية للتغطية على مطامحها التوسعية.

في عام 1993 تم قمع انتفاضة الشيشانيين ومطالبتهم بالاستقلال وقبل ظهور موجة الإسلاميين هناك، وتم اعتماد سياسة الأرض المحروقة في الحرب على غروزني. فيما سمح تعدد القوميات وتنازعها في جمهورية جورجيا لموسكو بقمع أية تطلعات استقلالية.

أوكرانيا هي الهدف الثالث. الانتفاضات الشعبية ممنوعة، وكذلك ممنوع استقلال هذه الجمهورية عن موسكو. والاتحاد الأوروبي بمنزلة عدو قومي، مع أنه يشكل تحديا حضاريا بتطوره الاقتصادي والسياسي والقانوني أكثر مما يثير القلق عسكريا، علاوة على أن أية مخاوف عسكرية قابلة لضبطها ضمن اتفاقيات بين دولتين مستقلتين، هما روسيا وأوكرانيا، لكن موسكو ترغب في أن تكون أوكرانيا عضوا فقط في “رابطة الدول المستقلة” عن العالم والملتحقة بموسكو. إنه منطق الحكم الشمولي العابر للحدود الذي كان يمثله الاتحاد السوفيتي السابق، ولكن باعتماد منطق الامبراطورية القومية بديلا عن النموذج الاشتراكي، الذي خلب في السابق لب الشعوب في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. مازالت الشعوب تنشد العدالة الاجتماعية والتحرر من الفقر وتوفير الخدمات الأساسية الحيوية، لكنها تنشد الحرية والكرامة والاستقلال أيضا عن موسكو كما عن واشنطن أو طهران أو أية قوة إقليمية أو دولية أخرى. لكن المطامح القومية ذات النزعة الامبراطورية لا تعترف بأي وزن أو اعتبار للشعوب المتضررة والطامحة للتحرر، إن أصحابها ومثالهم الصارخ في موسكو لا يعترفون إلا بوجود القوة العسكرية وبالجيوش، وهو ما جعل موسكو تعمى خلال السنوات الماضية عن رؤية الشعب السوري في انتفاضته من أجل الحرية والكرامة، ولم تمانع في استخدام طائرات السوخوي والميغ وصواريخ غراد لتدمير المدن السورية، ما دامت هذه الحملة من منظور موسكو تضمن لها استمرار نفوذها على الأرض السورية. والأهم أن موسكو لم تتعرض لأي اعتداء أو التهديد به، يجيز لها ما أجازته لـ”نفسها” باستعراض القوة الإمبراطورية، والتهديد باستعمال كل الوسائل ضد دولة جارة.

موسكو التي صعدت إلى أعلى الشجرة، لا تريد لأحد أن يعينها على النزول، وتعيش حالة إنكار للحرج الذي وقعت فيه نتيجة التجرؤ على أمن وسيادة بلد آخر، وهذه بعض من سمات الزعامات القومية المنتفخة، التي تدمج بين الاعتداد الشخصي ومطامح قومية خارج الحدود، فيما الحصار السياسي الأوروبي والغربي يهيئ- إن اقتضى الأمر- لعقوبات اقتصادية تهدد نمط الحياة في روسيا، ومعه “عرش” القيادة الروسية.


كاتب أردني

9