أزمة الأصول العربية في القدس: تزييف الحقائق وإنكار الحقوق

القاهرة رفعت دعوى أمام المحاكم الإسرائيلية تطالب فيها بحقها في حصة تصل لنحو 11 بالمئة من أصول فندق الملك داود.
الثلاثاء 2019/01/15
سرقة الأرض والتاريخ

القاهرة - تصر الحكومات الإسرائيلية على طمس الهوية العربية في القدس، مستخدمة جميع الطرق غير المشروعة، بهدف تهويد الممتلكات العربية، وتأكيد الهيمنة على المدينة العريقة ومحو هويتها التاريخية، وتتم الاستعانة بتزييف الحقائق وإنكار الحقوق وفق قوانين سنها الاحتلال على مدار العشرات من السنين لتحقيق تلك الطموحات.

قد يكون الأمر سهلا بالنسبة للجانب الإسرائيلي عندما يغتصب أراضي مملوكة لأفراد، لكنه ينقلب إلى صداع حينما تكون تلك الأصول لمؤسسات انتقلت ملكيتها لدول أخرى، عندها تتكشف الحقائق وتتحدث المعلومات ويتحول الأمر إلى دعاوى تحكيم على المستوى الدولي.

قامت إسرائيل برفع قضايا عديدة على مصر أمام محاكم دولية بشأن توقيع اتفاقيات تتعلق بتصدير الغاز إليها، ثم أوقفتها القاهرة. وكسبت إسرائيل بعض الدعاوى وحصلت على أحكام بالتعويض بالمليارات من الدولارات، لكن تدخلت السياسة وتكفّلت بتليين الموقف لتسويته وديا.

وبموازاة ذلك هناك قضية مجهولة أو لا يعلم عن تفاصيلها الكثير من المواطنين والمسؤولين، لأنها تدور في حيز ضيق، لكن يمكن أن تحدث ضجيجا سياسيا الفترة المقبلة. تتعلّق القضية بنزاع ملكية حول الحقوق المصرية في فندق الملك داود، أيقونة مدينة القدس والذي تم بناؤه من الحجر الجيري الوردي وافتتح عام 1931، ومن أهم معالم المدينة وقبلة جاذبة لقطاع كبير من السائحين.

فندق الملك داود، أيقونة مدينة القدس والذي تم بناؤه من الحجر الجيري الوردي وافتتح عام 1931، من أهم معالم المدينة
فندق الملك داود، أيقونة مدينة القدس والذي تم بناؤه من الحجر الجيري الوردي وافتتح عام 1931، من أهم معالم المدينة

ولطالما كان الفندق قبلة الشخصيات المهمة، واستضاف رؤساء وملوكا حلّوا على مدينة القدس مثل الملك عبدالله الأول ملك الأردن، والملكة نازلي ملكة مصر. وأقام به لفترة ثلاثة قادة دول اضطروا لمغادرة بلدانهم، هم ألفونسو الثالث عشر ملك إسبانيا في 1931، وهيلا سيلاسي إمبراطور إثيوبيا في 1936 الذي خرج من بلاده بعد احتلال إيطاليا للحبشة، وجورج الثاني ملك اليونان الذي أعلن من الفندق في 1942 حكومته في المنفى بعد الاحتلال النازي لبلاده.

ورفعت القاهرة دعوى أمام المحاكم الإسرائيلية مؤخرا تطالب فيها بحقها في حصة تصل لنحو 11 بالمئة من أصول فندق الملك داود. وفي ثنايا البحث عن أصل تلك المشكلة وعلى مدار أكثر من شهرين قامت “العرب” باستقصاء وتتبع ملكية الفندق، حيث كان مملوكا لبنك الأمة العربية، الذي شهد تغييرات في هيكل ملكيته، وتغيير اسمه لعدة مرات، الأمر الذي زاد من صعوبة تتبع البنك، الذي تأسس في فلسطين ثم رحل إلى الأردن واستقر أخيرا في القاهرة، إلى أن ذاب في البنك العقاري العربي، واندمج الخير في البنك العقاري المصري، تحت مسمى جديد وهو البنك العقاري المصري العربي.

أسس بنك الأمة العربية الاقتصادي أحمد حلمي عبدالباقي عام 1937 بعد أن استقال من البنك العربي، وكان البنك يستهدف تقديم القروض إلى المزارعين العرب لآجال تصل لنحو عام، في الوقت الذي كانت فيه البنوك تمنح قروضها لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر.

عمرو جادالله: حقوقنا في فندق الملك داود  تقدر بحوالي 50 مليون دولار أميركي
عمرو جادالله: حقوقنا في فندق الملك داود  تقدر بحوالي 50 مليون دولار أميركي

واستمر البنك في نشاطه حتى نهاية فترة الانتداب على فلسطين، وعندما أحكم اليهود سيطرتهم على معظم أراضي فلسطين وجد عبدالباقي الذي كان رئيسا لأول حكومة فلسطينية في 23 سبتمبر عام 1948، نفسه رئيسا دون وطن، فاستقر في القاهرة مديرا لـ”بنك الأمة العربية”.

واستأنف عبدالباقي من مركزه الجديد في القاهرة نشاط البنك وظلت له ديون كبيرة على المزارعين العرب الذين لم يتمكنوا من الوفاء بالتزاماتهم تجاهه بسبب طردهم من أملاكهم. ورغم فراره ببنكه من نار الاحتلال الإسرائيلي إلا أنه كمن استنجد من الرمضاء بالنار، حيث واجه التأميم في الحقبة الناصرية، التي طالت جميع البنوك الأجنبية عام 1961، فغادر القاهرة واستقر في بيروت، وبلغ 97 عاما، ووافته المنية بعد عامين وهو في لبنان، ثم نقل جثمانه بالطائرة إلى القدس، بحسب وصيته التي شدد فيها على الدفن بالمدينة المقدسة.

وشارك أحمد حلمي عبدالباقي، الاقتصادي الفلسطيني المعروف عبدالحميد شومان، في تأسيس البنك العربي في فلسطين عام 1930، ويعتبر ثاني أقدم بنك في الوطن العربي من حيث التأسيس، بعد بنك مصر الذي أسسه الاقتصادي المصري طلعت حرب عام 1920.

وتولى عبدالباقي إدارته في عام 1931، وأسس بعد ذلك البنك الزراعي لإمداد الفلاحين بالقروض الزراعية، وبعد ذلك صندوق الأمة، وبنك الأمة العربية في العام 1941. وكان الهدف الأساسي من مجمل هذه المشروعات العمل على توفير القروض للفلاحين الفلسطينيين سعيا لإنقاذ الأراضي العربية المهددة بالمصادرة، التي كانت تسعى الوكالة اليهودية للاستيلاء عليها.

وانتشرت فروع البنك العربي في مدن فلسطين الرئيسية؛ القدس ويافا وحيفا ونابلس وطولكرم وغزة، وامتد إلى عواصم عدد من المدن العربية خلال الفترة من 1930 إلى 1948 أهمها عمان والقاهرة ودمشق وبيروت.

وفي عام 1948، ونتيجة الأحداث السياسية في فلسطين تم نقل الإدارة العامة للبنك العربي إلى عمّان، وفي سنة 1950 تم تسجيل البنك كشركة مساهمة عامة وفقا لأحكام قانون الشركات في الأردن. وكانت الجامعة العربية قد قررت تأسيس بنك الإنقاذ في فلسطين لحماية الأراضي العربية من التسرب إلى ملكية اليهود عام 1947، وجرى رفض تسجيل البنك تحت هذا الاسم من قبل المندوب السامي البريطاني، وتم تغيير اسم البنك إلى الشركة العقارية العربية وهي شركة مساهمة مصرية مركزها الرئيسي القاهرة، تحايلا على قرار المندوب السامي البريطاني.

ووفقا لمرسوم التأسيس فإن الهدف من البنك دعم الفلسطينيين على أرضهم وإقراضهم لشراء مستلزمات الزراعة واستصلاح الأراضي، إلا أن التطورات التي شهدتها الأراضي الفلسطينية عام 1948 حالت دون تمكن الشركة من مباشرة نشاطها وعقب استمرار الأوضاع أعيد تسجيلها في عام 1951 لدى السلطات الأردنية، ثم رُخصت الشركة بعد تغير اسمها إلى البنك العقاري العربي بموجب المرسوم الجمهوري المصري الصادر في 17 يونيو عام 1954.

وأخذت فروع البنك في الانتشار بين عواصم مصر والأردن وفلسطين، إلى أن اجتمعت الجمعية العمومية للبنك العقاري العربي في 16 نوفمبر 1999 وقررت تغيير الاندماج في البنك العقاري المصري، وأصبح اسم الكيان الجديد البنك العقاري المصري العربي، اعتبارا من غرة يناير عام 2000.

سألت “العرب” خلال فترة البحث عن بنك الأمة العربية عددا من شيخ البنوك، في مقدمتهم إسماعيل حسن محافظ البنك المركزي المصري الأسبق، فأكد خلال تكريمه من اتحاد المصارف العربية أن “بنك الأمة العربية انتقلت ملكيته إلى الحكومة المصرية”. وأوضح صحة ذلك أيضا جوزيف طربية رئيس اتحاد المصارف اللبنانية الأسبق ورئيس الاتحاد الدولي للمصرفيين العرب.

وقال عمرو جادالله نائب رئيس مجلس إدارة البنك العقاري المصري العربي “رفعنا دعوى على الحكومة الإسرائيلية لحماية حقوقنا في فندق الملك داود والتي تقدر بنحو 50 مليون دولار على أقل تقدير”. وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن حصص الملكية المصرية في الفندق والتي تصل لنحو 9 بالمئة تقريبا تنقسم على نحو 4 بالمئة للبنك العقاري المصري العربي ونحو 5 بالمئة لبنك مصر.

وأوضح أنه تم توكيل مكتب محاماة في إسرائيل تديره المحامية الفلسطينية هالة حبان، بعد أن شهدت المرحلة الأولى من القضية تلاعبا من جانب مكتب محاماة إسرائيلي “كنا قد وكّلناه في فترة سابقة، وقمنا بمقاضاته وحصلنا على تعويض نتيجة هذا التلاعب”.

وأشار إلى أن الجانب الإسرائيلي يتعنت بشكل كبير في هذه القضية، تحت دعوى أن التأميم لا يعني ملكية البنك لحقوقه في فندق الملك داود. ولا تزال القضية متداولة، تبحث عن حل قانوني، بينما انتهى زمن هذه النوعية من الحلول، لأن قبضة الاحتلال تسيطر على غالبية الأراضي الفلسطينية.

ويخشى البعض من المراقبين أن يمنح فتح هذه القضية إسرائيل مبررا للتنقيب عما يتردد من وقت لآخر بخصوص أملاك الجاليات اليهودية في بعض الدول العربية، لكن يرد آخرون بأن المسألة مختلفة تماما، لأن البنك العربي مؤسسة لها جذور تاريخية معروفة وتقع في أرض فلسطين التي تقرها القوانين الدولية، ما يوفر لها زخما ترفضه إسرائيل، لأنه يثير هواجس كبيرة بالنسبة لها، ولذلك ستظل المطالبة المصرية بفندق داود مضنية، وقد تتحول إلى ورقة سياسية لاحقا.

6