أزمة الأوروبيين في الشمال السوري

العدوان التركي الأخير على مناطق شرق الفرات استدعى من الاتحاد الأوروبي نشاطا استثنائيا. ليس لإنهاء الأزمة السورية المستمرة منذ نحو تسع سنوات، ولكن لتجنب أزمة أوروبية في تلك المناطق.
الخميس 2019/10/24
جانب لا أخلاقي في الحرب الأوروبية على الإرهاب ثبتته عملية "نبع السلام" التركية

بين الفينة والأخرى يتذكر الأوروبيون ما يجري في سوريا، فيخرجون بتصريح دعم هنا أو بيان إدانة هناك. ولكن العدوان التركي الأخير على مناطق شرق الفرات استدعى من الاتحاد الأوروبي نشاطا استثنائيا. ليس لإنهاء الأزمة السورية المستمرة منذ نحو تسع سنوات، ولكن لتجنب أزمة أوروبية في تلك المناطق.

يلهث الأوربيون اليوم وراء قوة دولية تحمي مناطق شرق الفرات شمال سوريا. تلك المناطق التي تعج بالنفط، وتعج أيضا بدواعش القارة العجوز المعتقلين في سجون قوات سوريا الديمقراطية. لا يريد الأوروبيون القوة الدولية لحماية الأكراد من العدوان التركي طبعا، وإنما لمنع فرار الدواعش من السجون.

خشية من الدواعش فقط بات التوغل التركي شمال سوريا عدوانا سافرا. ليس كل الشمال طبعا وإنما الشمال الواقع شرق نهر الفرات. فالأتراك يحتلون الحدود السورية الشمالية غرب الفرات منذ زمن، ولكن لا أحد يكترث لذلك لأنه لا يوجد نفط ولا دواعش هناك، مجرد سوريين يقاتلون بعضهم.

في عام 2018 عندما دخل الأتراك مدينة عفرين، المدينة الكردية في أقصى شمال غرب سوريا، لم نسمع عويل الأوروبيين، ولم تخرج عن بروكسل مقترحات لعقوبات على الاقتصاد التركي أو محاولات لطرد أنقرة من حلف الناتو. بقي الأوروبيون حينها يدعون لضبط النفس حتى اكتمل الاحتلال التركي للمدينة.

الموقف الأوروبي من العدوان التركي منافق جدا. وربما لو تكفلت تركيا أو أي دولة أخرى بنقل الدواعش في مناطق شرق الفرات إلى سجونها قبل العدوان، لتسابقت الدول الأوروبية في إصدار البيانات التي تعرب فيها عن تفهمها للمخاوف الأمنية التي استدعت من أنقرة إطلاق عملية نبع السلام شرق الفرات.

خطر الدواعش في سوريا والعراق لا يشكل مأزقا بالنسبة للأوروبيين. المأزق الحقيقي يكمن في عودة الدواعش إلى الدول التي جاؤوا منها، وبالتالي انتقال الإرهاب إلى القارة العجوز. هناك لا يمكن استخدام القنابل ولا الطائرات، ولا يجوز أن تؤثر محاربة الإرهاب على مستوى معيشة المواطنين أو رفاهية حرياتهم.

إن جاز التعبير، ثمة جانب لا أخلاقي في الحرب الأوروبية على الإرهاب ثبتته عملية “نبع السلام” التركية. لا ضير بالنسبة للأوروبيين من بقاء دواعشهم معتقلين في سوريا والعراق إلى الأبد، حتى أنهم يفضلون محاكمتهم بقوانين الدولتين من أجل إعدامهم وضمان عدم عودتهم إلى الدول الأوروبية بأي شكل كان.

بات واضحا أن الإبادة هي الخيار المفضل لدى الأوروبيين في التعامل مع دواعشهم. لا يهم كيف وعلى يد من، ولكن المهم أن يزول عصاب عودة هؤلاء إلى أوطانهم. ولا يهم أيضا إن كان ذلك يتعارض مع حقوق الإنسان الأوروبية، فخارج حدود القارة العجوز تختلف المعايير ويتحول البشر إلى مجرد أرقام.

جانب مظلم آخر في السياسة الأوروبية سلط العدوان التركي الضوء عليه، ألا وهو تبعية دول القارة العجوز للولايات المتحدة. تلك التبعية التي أوقعت الأوروبيين في مأزق عندما انسحبت واشنطن من الاتفاق النووي مع إيران، واليوم تعيش مأزقا جديدا بسبب انسحاب القوات الأميركية من سوريا.

يتعمد الأوروبيون هذه التبعية في أحيان كثيرة، وفي أحيان أخرى لا يمتلكون غيرها. وفي الحالتين لا تبدو الإدارة الأميركية الحالية مهتمة لمبررات الأوروبيين، ولا يريد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يتباهى بقطبية أميركا اليتيمة في الكوكب. جل ما يشغل بال هذا الرجل هو كم يدفع الآخرون مقابل الخدمات التي تقدمها بلاده.

الرسالة في الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران كانت واضحة. رغم ذلك لم يتعظ الأوروبيون، وتجاهلوا تحذيرات ترامب بالانسحاب من سوريا. وعندما وقعت الواقعة راحوا يستعطفون طوب الأرض كي يتوقف العدوان التركي، لا لشيء إلا لأن هذا العدوان سيشغل الأكراد عن حراسة سجون الدواعش.

العدوان التركي بيّن أيضا متانة صداقة الأوروبيين مع المعارضة السورية. فعندما فشل الأوروبيون في إقناع مجلس الأمن بوقف هذا العدوان، استنجدوا بالروس، أعداء الثورة السورية، وراحوا يستعطفون الرئيس فلاديمير بوتين كي يحتل مناطق شرق الفرات تحت عنوان قوة دولية تحمي شعوب تلك المناطق.

نسي الأوروبيون أن الروس أنفسهم هم من دمروا مناطق المعارضة واحتلوها الواحدة تلو الأخرى منذ عام 2015. نسي الأوروبيون أن القصف الروسي لمدن حلب وحماة ودرعا وريف دمشق وحمص وغيرها، هو من أجبر الملايين على النزوح، وأدى إلى سقوط مئات الآلاف من السوريين بين قتيل وجريح.

تساقط أصدقاء المعارضة الواحد تلو الآخر، ولا أحد يعرف كيف سينتهي انقلاب حلفاء الثورة السورية عليها. ليس هذا هو المهم. المهم الآن هو موقف وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، من القارة الأوروبية. قبل سنوات شطب الوزير السوري القارة بأكملها من خارطة العالم لأنها وقفت ضد نظام بشار الأسد، فهل يشفع رفض العدوان التركي على مناطق الشمال للأوروبيين عند المعلم ويعترف بوجود قارتهم؟

8