أزمة الإعلامي العربي

الثلاثاء 2015/03/03

لطالما دبجت المقالات والبحوث عن أزمة الإعلام العربي، الرسمي وغير الرسمي. ولا أظن أن هناك مرحلة عربية مفصلية مرت دون أن يتعرض الإعلام العربي برمته للنقد، بل والتوبيخ أحيانا لأنه لم يكن على مستوى هذه المرحلة أو تلك. لكن كل هذا النقد، وقدرا كبيرا من هذا التوبيخ، كانا يوجهان للصناعة الإعلامية العربية بوجه عام من حيث سياساتها وخطوط عملها وخضوعها لسلطة الحاكم بأمره في أية دولة عربية.

أي أن اللوم الكامل يقع برمته على رأس المنظرين للإعلام، المحسوبين على السلطة في الأغلب الأعم، دون أن يُعنى هذا اللوم بالتفاصيل أو يفتش في أسباب أخرى يقع عليها جزء كبير من المسؤولية في تأخر الإعلام العربي وعجزه عن تقديم إعلام حقيقي، فضلا عن عجزه في مناجزة بيوت الإعلام الدولية التي قطعت أشواطا طويلة في حضورها وتأثيرها، ليس في جمهورها المحلي فقط، بل في جمهورها العربي الذي يمحضها ولاءه ويؤمن، قطعيا أو نسبيا، بصدقية خطابها الإعلامي.

من هذه التفاصيل، التي لم تشغل بال الدارس لأزمات الإعلام العربي، الإعلامي العربي نفسه. ذلك الإنسان الذي يحمل الرسالة الإعلامية، عبر وسيلة حكومية أو خاصة، بطريقته وبخلفياته الثقافية والاجتماعية التي لم ينفك عنها رغم توالي العقود والأزمات. هذا الإعلامي العربي الذي انكشفت عوراته أكثر من السابق في لهيب ما يسمى الربيع العربي لديه هو ذاته، حتى قبل أن يصل إلى عين القارئ أو أذنه، أزمة شخصية تتمثل، من وجهة نظري، في أمرين:

الأمر الأول هو أن الإعلامي العربي يأتي سلفا معبأ بأفكار جاهزة اكتسبها، مثل غيره من أبناء مجتمعه، من البيت والمدرسة والجامع والشارع. أي أنه يأتي مقولبا ليكون، أيضا مثل غيره، إنسانا يفرز ما استهلكه كما يفعل الناس العاديون في مجالسهم أو على المقاهي. وهذا، بطبيعة الحال، بخلاف معايير الإعلامي المتعارف عليها في دور الإعلام المحترفة. ومن هذه المعايير أن يكون مبدعا ومجددا ومؤثرا، ينقل الناس من حالة سائدة إلى حالة متغيرة لا أن يتماهى مع تفكيرهم وتأييد ما تواطؤوا عليه من حالة جمود واستسلام لما هم عليه من أفكار أو قناعات.

والأمر الثاني في أزمة الإعلامي العربي أنه يؤخذ مباشرة، دون إعداد أو تأهيل إلى الأستوديو أو موقع القرار المؤثر في الصحيفة. وهذه أزمة فنية سببها أن المؤسسات الإعلامية العربية تستسهل تسليم الخطاب الإعلامي لأشخاص دون تهيئة، مهنية في المقام الأول، للوظيفة أو الوسيلة التي سيطلون منها على الناس. ومن صور هذا الاستسهال، في أغلب وسائل الإعلام العربية، أن تجد كاتبا أصبح مذيعا ومحاورا في برامج (التوك شو)، وتجد ممثلة أصبحت مذيعة أو كاتبة، أو تجد مذيعا وقد أصبح كاتبا يتصدر صفحات الرأي في الصحف.

هذان الأمران، التقولب الاجتماعي المسبق وافتقاد الحرفية، وضعا الإعلامي العربي في مرتبة متأخرة إذا ما قورن بغيره من إعلاميي العالم. والإعلامي نفسه، الذي وجد نفسه في ورطة النجومية، أصبح، بسبب هذا التأخر، علامة على الصراخ الفارغ أو الوعظ والفتوى أو، في أحسن الحالات، غير الواثق مما يقدمه للناس من أخبار وتحليلات وحوارات.

من الطبيعي في هذه الحالة أن يفتقد التأثير وأن يفتقد، نتيجة لذلك، القدرة على قيادة الرأي العام إلى ما يحقق المصالح الوطنية والدفاع عنها في وجوه أعدائها في الداخل والخارج. وإذا لم يكن قادرا على تحقيق هذا التأثير في محيطه المحلي، فإنه لن يكون قادرا على تحقيقه في المحيط الإقليمي أو على المستوى الدولي كما تطالب أو تطرح بعض الأصوات التي ترى تضرر الوضع العربي، برمته، من الحروب الإعلامية التي تشن الآن بضراوة على الدول العربية وشعوبها من دول وجهات وتنظيمات لديها أهداف معلنة لتدمير المنطقة وتقسيم دولها.

وإذا أراد العرب الخروج من مأزق ضعف الإعلام العربي، المتمثل أولا في ضعف بضائع الإعلاميين المقدمة في الصحف وعلى الشاشات، فإن عليهم، كما يفعلون الآن مع تجديد الخطاب الديني، أن يتنادوا إلى عقد مؤتمرات وندوات وورش عمل تدرس بدقة أسباب هذا التردي، وتقدم الحلول الناجعة والسريعة للارتقاء بفكر ومهارات الإعلامي العربي الذي تشتكي دوله وشعوبه من ضعفه ومحدودية تأثيره.


كاتب سعودي

9