أزمة الإعلام الجزائري تعيده إلى الأبيض والأسود

يتخبط الإعلام الجزائري الخاص خلال السنوات الأخيرة في أزمة خانقة تتطلب مراجعة عاجلة للمشهد، لكونه يشكل أحد أوجه الفساد المالي والسياسي والإعلامي الذي ساد المرحلة الأخيرة.
الثلاثاء 2017/08/01
حرية معطوبة

الجزائر – اكتست بعض الصحف الجزائرية الخاصة برداء الأبيض والأسود، بعدما قررت التخلص من الألوان، أملا في تقليص تكلفة الطبع وتماشيا مع تراجع عائدات الإعلان، كما قلصت عدد صفحاتها من 24 إلى 16 صفحة، لتحقيق نفس الغرض، في حين توجهت أخرى إلى الحلول القاسية بتسريح الصحافيين والعمال، بينما تعيش أغلبية القنوات التلفزيونية الخاصة، حالة من الانسداد بسبب أوضاعها القانونية الغامضة والمالية المزرية.

ويقول مراقبون إن الأسابيع المقبلة ستخصص لتنظيم القطاع الإعلامي والحد من الفوضى والفساد اللذين هيمنا عليه خلال السنوات الأخيرة، حيث أفضت أساليب تسيير الإعلان الحكومي إلى زيادة الأثرياء ثراء، وزيادة الفقراء فقرا، نظير غياب الشفافية وهيمنة المحسوبية في توزيع الإعلان الحكومي على الصحف المحلية.

وكان التغيير الذي مس رأس الوزارة ومسؤولي الوكالة الحكومية المحتكرة للإعلان، قد ترك ارتياحا للناشرين والمهنيين، خاصة في ما يتعلق بالاستغناء عن الوزير السابق للإعلام حميد قرين، الذي عمق من أزمة الإعلام الجزائري، بسبب التصورات التي حيدت الواقع الحقيقي، واكتفت بخطابات هامشية وممارسات احتكارية.

وشكلت القبضة الحديدية بين الحكومة وبعض رجال الأعمال النافذين، أحد عوامل تأخر الحكومة في معالجة الفساد الذي ينخر الإعلام الجزائري، خاصة في ظل الحديث عن اعتبار الوزير الجديد للقطاع جمال كعوان، هو أحد “التابعين” لرجل الأعمال علي حداد في الحكومة الحالية، فقد سبق له أن أدار مجمع “وقت الجزائر” المملوك لرجل الأعمال المذكور، قبل أن يعين بإيعاز منه على رأس وكالة النشر والإشهار (الإعلان) الحكومية، ثم وزيرا للاتصال.

وتقول مصادر مطلعة إن المواجهة المفتوحة بين الحكومة وبعض رجال الأعمال النافذين، على خلفية النفوذ المشبوه، يحتم على السلطة إجراء تعديل في الحكومة الحالية للتخلص من بعض الوجوه المحسوبة على رجل الأعمال القوي علي حداد، وعلى رأسها وزير الإعلام الحالي.

الخطاب السائد في الساحة حول لجم نفوذ رجال الأعمال في المؤسسات الإعلامية لم تظهر لمساته حتى الآن

وصرح ناشر رفض الكشف عن هويته لـ”العرب”، بأن الخطاب السائد في الساحة حول لجم نفوذ رجال الأعمال في مؤسسات ومفاصل الدولة، ومحاربة الفساد المتراكم طيلة السنوات الماضية، لم تظهر لمساته إلى حد الآن على قطاع الإعلام، حيث لا تزال نفس الأساليب الماضية هي المهيمنة على تسيير الإعلان الحكومي (المصدر الأول لتمويل الصحف)، كما لا تزال القنوات التلفزيونية تعيش فوضى عارمة نتيجة عدم تسوية وضعياتها إلى حد الآن.

وكانت مصادر سياسية، قد كشفت لـ”العرب”، أن رئيس الوزراء عبدالمجيد تبون، يتجه نحو حلحلة أزمتي الأحزاب السياسية غير المعتمدة، والفضائيات التلفزيونية، من أجل إنهاء الوضع غير الطبيعي لهذه المؤسسات السياسية والإعلامية، مما ساهم في تغذية احتقان الوضع الداخلي وأساء لصورة البلاد، في ظل وجود العشرات من الأحزاب السياسية التي استوفت الشروط اللازمة ولم يرخص لها من طرف وزارة الداخلية، فضلا عن أكثر من أربعين قناة جزائرية، لكنها موطنة في عواصم عربية وأوروبية.

ويعود أول ظهور للقنوات التلفزيونية المملوكة للقطاع الخاص إلى العام 2012، بعد إقرار الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة في 2011 حزمة من الإصلاحات السياسية شملت الانفتاح السمعي البصري، إلا أن الأوضاع الاستثنائية التي لجأ إليها مالكو الفضائيات لإطلاق قنواتهم، بقيت سائدة إلى حد الآن، ولم يتم التكيف مع قانون الإعلام الصادر في 2012، بسبب تردد الحكومة والافتقار إلى الإمكانيات التقنية اللازمة لاحتضان العشرات من القنوات الفضائية.

وتذكر مصادر تقنية، أن مركز البث التلفزيوني الحكومي في العاصمة، لا تتجاوز طاقته أكثر من 13 قناة تلفزيونية، خمس منها محجوزة للقنوات الحكومية، والباقي لا يمكن تلبيته لكل الطلبات المقترحة من القطاع الخاص، وهو ما يضع الهيئة في وضع حرج، في كيفية منح الترددات المحدودة، خاصة وأن عدد الفضائيات الخاصة فاق 40 فضائية موطنة في عواصم عربية وأوروبية، وتنشط كإعلام خارجي رغم اهتمامها الكلي بالشأن المحلي.

ومع إقدام السلطة على إقفال بث فضائيتي “الأطلس” و”الوطن”، على خلفية معارضتهما لترشح بوتفليقة للولاية الرئاسية الرابعة، فإن قنوات عديدة اختارت الاختفاء الطوعي من الأقمار الصناعية بسبب شح الموارد المالية، وهو نفس السيناريو الذي انتهت إليه العشرات من الصحف المحلية والجهوية.

يذكر أن الجزائر تعد من الدول القليلة التي يفتقد فيها قطاع الإعلام إلى نقابات وتنظيمات مهنية، للدفاع عن مصالح منتسبيه والحوار أو الضغط على السلطة.

وأدى تراجع مداخيل البلاد من النقد الأجنبي بسبب تهاوي أسعار النفط منذ منتصف العام 2014، إلى انتهاج الحكومة لسياسة تقشفية أثرت بشكل مباشر على قطاع الإعلام، خاصة مع الغموض الذي يلف توزيع الإعلان الحكومي، وتغوّل مؤسسات إعلامية مسنودة إلى جهات نافذة في عالم المال والأعمال والسياسة، حيث تمتلك شخصيات رسمية ومالية مؤسسات إعلامية، وتستحوذ على الإعلان بفضل نفوذها ومواقعها المؤثرة، مما أفقد المشهد مبدأ تكافؤ الفرص والتوزيع العادل للثروة والأزمة معا.

18