أزمة التعليم في تونس تتجاوز الوزارة والنقابات

الثلاثاء 2015/03/10

تعرف المؤسسة التعليمية التونسية في قطاعها الثانوي أزمة حادة هذه الأيام. وقد برزت في شكل مقاطعة الأساتذة لما يعرف بـ”الأسبوع المغلق” للامتحانات وذلك على خلفية عدم تحقق مطالب نقابية سابقة من ضمنها مطلب إصلاح التعليم.

ولئن نقرّ بأنّ مطالب القطاع لا يشوبها أدنى شك لا في شرعيتها ولا في كونها ضرورة عاجلة فإننا نعتبر أنّ الفصل بين مطلب مادي (تحسين الأجر) ومطلب معنوي (إصلاح المنظومة التعليمية) غير معقول. وسواء صدر هذا التمييز عن وزارة التربية أم عن النقابة العامة للتعليم الثانوي فهو في نظرنا حجر عثرة على طريق الحل.

إنّ مثل هذا الفرز مؤشر سافر على أنّ طرفي النزاع (الوزارة والنقابة) لا يتملكان الفهم المناسب لطبيعة الأزمة وبالتالي لا يملكان مفاتيح الحل، الأمر الذي ينذر بتفاقم الوضع في الأسابيع والأشهر القادمة وفي أفضل الحالات بالدوران في حلقة مفرغة. فمنظومة تربوية من دون مدرّس قادر على تلبية حاجياته المادية لا تستحقّ هذا الاسم وأستاذ ميسور الحال بلا مدرسة متفاعلة هيكليا ووظيفيا وبيداغوجيّا مع الحياة المعاصرة ومع العالم الحديث لا يعدو أن يكون سوى عون تنفيذ لسياسة المحافظة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والجيوسياسية التي بلغت أقصى درجات الرداءة.

فهل الأستاذ (ونقابته) ملمّ بالتحديات المتعلقة بالوضع -الكارثي العام-؟ وهل وزارة الإشراف تملك العمق النظري الضروري والكافي لإقناع المجتمع أنّه يستحقّ المدرسة التي تليق به وبثورته وبالتالي التي تمكّنه من رفع التحديات العالقة؟

كلا، لا يملك الأستاذ سوى أنه يراهن على البعد المادي دون سواه. ذلك لأنه يمارس حظرا ذاتيا على التفكير في تطوير العملية التربوية (مثَله في ذلك مثل الإعلامي الذي يمارس الحظر الذاتي على ما سينشر أو يبث). فهو طبعا محقّ في مطلبه، لكن حين يكون في الآن ذاته حارما نفسه من الإطلاع على ما يجري من تحولات سريعة -في العالم وفي مجتمعه – ومن الاستفادة منها لتوليد أفكار بشأن الإصلاح التربوي ومن ثمّ تمريرها إلى نقابته وإلى سلطة الإشراف، فهو يغالط نفسه وبالتالي تراه يختزل شتى الحاجيات التي تعوزه، يختزلها في شكل المطلب المادي دون سواه. عندئذ تكون النتيجة أنه يهدي فرصة سانحة للحكومة بل للمجتمع كافة بأن يحكما عليه لا لفائدته.

كما أنّ الوزارة لا تملك سوى أنها تستغل هذا المطلب “الأستاذيّ” المفرغ من مضامينه متعددة الأبعاد، لتحمل الرأي العام على الالتصاق بصورة الأستاذ “المتاجر بالدروس الخصوصية” و”الذي لا يتفهم الوضع المادي الصعب الذي تمرّ به البلاد” و”الذي لم يصبر على الحكومة الجديدة سوى بضعة أيام ليعجزها” وما إلى ذلك من الملاذ. بينما الوزارة مطالبة بالانفتاح هي بدورها على ما يقال ويكتب حول التحولات العميقة التي يعيشها المجتمعين الدولي والمحلي.

إنّ كلّ المؤشرات تدل على أنّ الفاعلين في هذا القطاع بجميع أصنافهم يدفعون -من دون قصد- نحو المجهول. بينما المدرسة التونسية وعلى رأسها معلم الابتدائي وأستاذ الثانوي وبما تأويه من ناشئة تحلم بمستقبل أفضل في بلد أرقى وفي عالم يسوده عدل وفير ومساواة متسقة مع تطلعاتهم وتشوبه أقلّ عنصرية ومنسوب أدنى من الاستغلال (الدارويني الاجتماعي) البشع وتحظى فيه البلدان التي في طريق النموّ مثل تونس بمكانة أعلى وتتمتع فيه بشراكة أقوى مع الكبار وبكرامة خالية من التدنيس.

إنّ مثل هذه الطموحات العالقة بقلوب الملايين من الفتيان والفتيات التونسيين الذين بدورهم يستبطنون آمال أولياء أمورهم ويثيرون عزائم الآلاف من مدرسيهم لن يحققها فقط أجر محترم للمدرّس، يكون متقاربا مع أجور نظرائه في البلدان المتقدمة، وإنما تحققه إرادة موصولة وتخطيط لتحويل المدرسة من فضاء يجترّ منوالا -كولونياليّا- قديما من التنظيم الصناعي والثقافي (انظر مؤلفات “كين روبنسون” و” نعوم تشومسكي”) إلى وسيلة لتثوير شتى المفاهيم الإنسانية على الصعيد العالمي وإلى محرّك لمنوال جديد للتنظّيم الاجتماعي بما يشمله من أنماط -منشودة- للشغل وللتصنيع وللتثاقف وللتعايش بين الناس بمختلف مشاربهم وأجناسهم وأصولهم وأوطانهم.

17