أزمة الثقة داخل الناتو تدفع لاستكمال بناء الدفاع الأوروبي المشترك

ستولتنبرغ استخدم أدلة بيداغوجية تبريرية لتدوير زوايا القضايا الحادة مشيرا إلى أن هناك اختلافات في المواقف بين الدول الأعضاء. لكنها خلافات بين دول ديمقراطية.
الأحد 2019/11/24
الحلف بحاجة إلى المزيد من الجهود الأوروبية في مجال الدفاع

بروكسل – عندما يلتقي زعماء قادة حلف شمال الأطلسي بعد عشرة أيام في لندن للاحتفال بالذكرى السبعين لمعاهدة واشنطن، ستكون أزمة الثقة والخلافات التي تشق صفوف الحلفاء أحد العناوين البارزة في اللقاء، رغم محاولات كبار المسؤولين التخفيف من وقع وصف “الموت السريري”، الذي أطلقه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على وضع الحلف، خلال حديثه إلى الدورية البريطانية “ذي إيكونوميست” في منتصف شهر نوفمبر.

كلام الرئيس ماكرون يشير إلى انزعاج بلاده من سلوك عدد من الحلفاء وخاصة الولايات المتحدة وتركيا.

الأولى انسحبت من شمال شرق سوريا دون التنسيق مع القوات الفرنسية الخاصة العاملة في المنطقة، والثانية لم تتردد في دفع قواتها لاحتلال جزء من تراب دولة ذات سيادة تقع على حدود تراب الحلفاء، على الرغم من أن مفهوم سيادة سوريا قد يتخذ بعض النسبية بالنظر إلى واقع الاحتلالات المتعددة والمتناحرة في ما بينها.

الدول الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا، وجدت نفسها فجأة في بداية أكتوبر، أمام خطر احتمال فرار المئات من المقاتلين والرعايا الأوروبيين المعتقلين والمحتجزين في السجون والمخيمات التي تشرف عليها “قوات سوريا الديمقراطية” المؤلفة أساسا من المقاتلين الأكراد.

حديث الرئيس ماكرون صدم ألمانيا أهمّ شريك لبلاده في القارة الأوروبية، قبل أن يصيب الحلف ككل، حيث سارع المسؤولون في جناحي التحالف الحاكم ببرلين إلى الرد عليه؛ من المستشارة أنجيلا ميركل إلى وزير الخارجية هايكو ماس مرورا بزميلته وزيرة الدفاع أنغريت كرامب كارينباور. وهذه الأخيرة عقبت على كلام الرئيس ماكرون بأن الحلف حيٌّ روحا ودما.

وقالت “قلب الحلف ودماغه يعملان” بوتيرة الحياة. الوزيرة أنغريت تقود الحزب الديمقراطي المسيحي ومرشحة لخلافة المستشارة ميركل التي أكدت من جانبها رفضها التشخيص الصحي الذي وضعه الرئيس إيمانويل ماكرون.

ورأى وزير الخارجية هايكو ماس (الحزب الديمقراطي الاجتماعي) في مقال نشره في موقع دير شبيغل “أن إضعاف الحلف خطأ جسيم. ومن دون الولايات المتحدة، ليس بوسع كل من فرنسا أو ألمانيا حماية مصالحهما”.

واقترح ماس بالتنسيق مع نظيره الفرنسي جان إيف لودريان في اجتماع وزراء خارجية دول الحلف تكليف لجنة من الخبراء، تحت إشراف أمين عام حلف الناتو، من أجل “توضيح مستقبل دور الحلف”. ويسعى أمين عام الحلف في اللقاءات والاجتماعات التمهيدية للقاء القمة التخفيف من حدة الخلافات التي تشق صفوف الحلفاء.

 واستخدم ينس ستولتنبرغ أدلة بيداغوجية تبريرية لتدوير زوايا القضايا الحادة. وقال في مؤتمر صحافي ببروكسل في 19 نوفمبر “هناك اختلافات في المواقف بين الدول الأعضاء. لكنها خلافات بين دول ديمقراطية. وقد عهدنا الخلافات، داخل الحلف، من أزمة قناة السويس في 1956 إلى حرب العراق في 2003”.

ورأى أن “قوة الناتو تكمن دوما في قدرة الحلفاء على الجلوس إلى طاولة الحوار وضمان الوحدة بشأن المهمة الأساسية المتمثلة في الدفاع المشترك عن بعضنا البعض”.

 وأضاف ستولتبرغ الحلف “في حاجة إلى المزيد من الجهود الأوروبية في مجال الدفاع” و”ليس إلى قوة بديلة منه أو تعوضه”.

تعزيز بناء قدرات عسكرية مستقلة عن حلف الناتو
تعزيز بناء قدرات عسكرية مستقلة عن حلف الناتو

كلام الرئيس ماكرون إلى الدورية البريطانية لا يعبر عن مزاج زعيم شاب طموح أزعجته عملية التوغل التركي في شمال شرق سوريا. بل استنتاج للوضع الاستراتيجي وتغيّر موازين القوى في الاتحاد الأوروبي، إذا غادرته فعلا بريطانيا، وفي الساحة الدولية بالنظر إلى قوة الصين الصاعدة من ناحية واستمرار جمود الوضع بين الاتحاد الأوروبي وبين روسيا، من ناحية أخرى، إضافة طبعا إلى المواقف الأميركية غير المتسقة تجاه أوروبا.

 لا يتردد الرئيس دونالد ترامب في تشجيع بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي. وكان ماكرون عقَّب، في نهاية القمة الأوروبية الأخيرة ببروكسل في 18 أكتوبر الماضي، على تغييب الولايات المتحدة وتركيا للشركاء الأوروبيين عن قرارهما بإخلاء القوات الأميركية المجال للتوغل التركي في شمال شرق سوريا.

 واستنتج ماكرون “الحاجة إلى مراجعة سير الحلف وآليات التنسيق بينهم”. وقال “فوجئت بتغريدة على تويتر حول شأن انسحاب القوات الأميركية من المنطقة. ثم علمت أن قوة ثانية تابعة لبلد عضو في الحلف هاجمت شركاء التحالف الدولي، على الميدان، في الحرب ضد داعش”.

 واعتبر الرئيس الفرنسي العملية المنسقة بين الولايات المتحدة وتركيا “خطأ يرتكبه حلف الناتو في المنطقة فينسف مصداقية الغرب ويضعف قدرته على إقامة تحالفات في المستقبل بمنطقة استراتيجية ومجاورة لأوروبا”.

واتفق الرئيس ماكرون والمستشارة ميركل مع رئيس الحكومة البريطانية على لقاء الرئيس رجب طيب أردوغان على هامش اجتماعات القمة في لندن “من أجل فهم الوجهة التي تسلكها تركيا، إلى أين هي سائرة، ومحاولة إعادتها إلى سلوك عقلاني”.

الخطاب الفرنسي إزاء حلف الناتو، وبعض الشركاء داخله، يعزز المقاربة المعلنة والجاري تنفيذها من أجل تعزيز بناء قدرات عسكرية مستقلة عن حلف الناتو تمكن الاتحاد الأوروبي من تنفيذ مهمات حفظ السلام والدفاع عند الاقتضاء عن مصالح أوروبا في المناطق المجاورة.

 وانضمت أكثر من 12 دولة إلى مبادرة التدخل الأوروبية التي أطلقت قبل عامين من أجل تشكيل قدرات أوروبية قادرة على التعبئة والتدخل في المناطق القريبة من حدود الاتحاد والتي قد لا تريد الولايات المتحدة زجّ قواتها فيها.

أصل الاقتراح يعود إلى الرئيس ماكرون في 2017. كذلك، بدفع فرنسي، مدعوم من ألمانيا، أنشأ الاتحاد الأوروبي صندوق الدفاع بموازنة بلغت 14 بليون يورو من أجل تمويل أبحاث التطوير في المجال العسكري والتي يفترض أن تستفيد منها شركات الصناعات العسكرية في دول الاتحاد ولكن بشرط أن تكون المشاريع مشتركة وتلبي حاجات تقسيم العمل ومخططات التجهيز التي تضعها الدول الأعضاء.

كما أنشأت القمة الأوروبية منذ أكثر من سنة هيكلا مشتركا لتنسيق العشرات من مشاريع التجهيز العسكري المشتركة. وتعد الخطة مرنة حيث تمتلك كل دولة عضو حق المشاركة، إذا أرادت.

المشاريع المشتركة الجارية والمزمعة، وعمليات حفظ السلام والتدريب التي يقودها الاتحاد في منطقة الساحل الأفريقي من أجل دعم دول المنطقة على اكتساب قدرات عسكرية لمكافحة الإرهاب، تشكل معا لبنات صغيرة في مسار بناء الدفاع الأوروبي المشترك. مسار جنيني لن يكون قصيرا. وحيث لا يمكن لدولة أوروبية بمفردها مثل فرنسا امتلاك قدرات الدفاع عن مصالح الاتحاد الأوروبي ككل.

واستنتج الرئيس ماكرون حاجة أوروبا إلى “التزود بقدرات ذاتية” للدفاع عن مصالحها ومن دون ذلك فإن “الدول الأوروبية ستكون قوة إسناد فقط من دون القدرة على التأثير”، في عالم تتنافس فيه قوى صاعدة مثل الصين وأخرى لا تريد فقدان موقعها الريادي هي الولايات المتحدة، أو روسيا التي استعادت جزءا من منطقة النفوذ السوفييتي في النصف الثاني من القرن الماضي.

6