أزمة الجاسوس الروسي.. بوتين يختبر دفاعات النظام العالمي

بوتين يريد اختبار الأرض والوصول بالضغط على أوروبا والولايات المتحدة إلى المدى الأبعد، وانتظار رد الفعل، ثم بناء إستراتيجية تعامل روسيا مع الغرب في المرحلة المقبلة.
الجمعة 2018/03/16
علاقة بوتين بالغرب اختبار دائم

عندما يقوم عملاء أي جهاز استخبارات في العالم بعملية سرية، فإن مهمتهم الأولى بالطبع هي أن تستمر هذه العملية وما بعدها كمهمة “سرية”. الخروج عن الطابع السري للعملية يكون في حالة واحدة فقط، وهي رغبة الدولة على إرسال رسالة إلى الدولة الأخرى المستهدفة.

كان من الممكن التخلّص من العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال بطريقة أكثر هدوءا، لو لم يكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يريد أن يترك بصمته على كبسول الغاز المستخدم في العملية.

أراد بوتين توجيه رسالة مزدوجة للداخل والخارج في نفس الوقت، قائمة على اختبار تماسك الغرب وقوته.

كل يوم تنشر وسائل الإعلام البريطانية أخبارا عن اختراق طائرات وسفن روسية الأجواء والمياه الإقليمية لبريطانيا. هذا السلوك تحوّل إلى واقع يوميّ عادي، ولم يعد يمثّل قلقا يذكر لدى الناس العاديين.

لكن على مستوى القيادة في البلدين، الأمر مختلف تماما. إذا كانت الطائرات الروسية في أجواء بريطانيا اختبارا لدفاعاتها العسكرية، فإن عملية تسميم سكريبال وابنته يوليا، هي اختبار لدفاعاتها السياسية.

الموضوع لم يعد يتحمل أي لُبس. بوتين يريد اختبار الأرض والوصول بالضغط على أوروبا والولايات المتحدة إلى المدى الأبعد، وانتظار رد الفعل، ثم بناء إستراتيجية تعامل روسيا مع الغرب في المرحلة المقبلة.

أي مراقب لسلوك الرئيس الروسي، منذ الحرب على جورجيا عام 2008، يدرك أن علاقته بالغرب هي اختبار دائم. في كل مرة يحاول فيها بهدوء وحذر التقدّم خطوة إلى الأمام، يفاجأ بأنه قفز خطوات، دون رد فعل يذكر.

اكتشف بوتين في معركة شبه جزيرة القرم عام 2014 أن الناتو تحوّل إلى “رجل مريض”، وأن كل دول الغرب مجتمعة لم تتمكن سوى من فرض بعض العقوبات الاقتصادية والسياسية على أشخاص وشركات ومؤسسات روسية. فتح هذا الموقف عقل وعينيّ موسكو على حقيقة مفهوم “الغرب” وما يمثّله، وما لم يعد يمثّله.

في سوريا، فهم بوتين، منذ تدخل روسيا في الصراع في سبتمبر 2015، أنه لا يوجد خطوط حمراء أو محاذير، وأنه مسموح له قتل أي عدد من الأبرياء، طالما لم يتم ذلك باستخدام أسلحة كيماوية. اكتشف الروس أن المشكلة بالنسبة للغرب صارت في نوعية السلاح المستخدم في المذبحة، وليست المذبحة نفسها.

الثغرات التي ظهرت في الروابط الإستراتيجية بين معسكر “الغرب” صارت شاسعة. بوتين يراقب ذلك ويترقّب أي إشارة ضعف غربي، وينتظر الوقت المناسب لاستغلالها

تراجع الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عن “الخط الأحمر”، بعد استهداف الغوطة بالكيماوي عام 2013، أثبت أن زمن الخطوط الحمراء قد ولّى، وأن ليس هناك قوة في العالم تستطيع أن ترسم إطارا محددا لسلوك روسيا، أو المدى الذي من الممكن أن تذهب إليه في دعم نظام الرئيس بشار الأسد.

جورجيا وأوكرانيا وسوريا لم تكن بالنسبة لبوتين سوى “معامل اختبار” لقدرة الغرب على الحفاظ على النظام العالمي القائم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. ربما فلسفة التدريب واختبار الأسلحة الجديدة، التي انتهجها بوتين في سوريا والقرم، تنسحب على تدريب جيوسياسي على استكشاف الغرب من الداخل، ومدى قدرته على المقاومة.

ساحة التدريب هي نموذج مصغّر وأقلّ خطورة بالنسبة للجندي من ساحة المعركة. تدرّب بوتين على مواجهة الغرب في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، وصار جاهزا لخوض المعركة في الولايات المتحدة وأوروبا.

التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية علم بوتين أن مواقع التواصل الاجتماعي هي جائزة القرن بالنسبة لأجهزة الاستخبارات، والسلاح النووي الجديد في حروب المعلومات. في النهاية لعبت مواقع التواصل دورا محوريا في تحديد شخصية رئيس الولايات المتحدة الأميركية.

التجسس ومحاولة تغيير مسار الانتخابات في أكثر من بلد غربي، وماكينات الدعاية الإعلامية، أثبتت لبوتين أن أعرق الديمقراطيات الغربية لم تعُد مؤهلة لمقاومة التلاعب بالأسس التي قامت عليها. العملاء الروس تفاجأوا مثلا بأن مجموعة صغيرة من الأخبار الكاذبة قادرة على حسم نتيجة استفتاء تاريخي على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. نعم، بهذه البساطة!

عملية تسميم سكريبال هي المرحلة الثانية من الاختبار. بوتين أدرك عيوب الغرب وعوامل ضعفه. الآن ينتقل إلى اختبار تماسكه.

استهداف الأراضي البريطانية بغاز أعصاب من الحقبة السوفييتية هو اعتداء على قلب المعسكر الغربي. اتخذ بوتين قرارا يحمل في مضمونه مغامرة خطيرة، قد تؤدي إلى عزل روسيا عن الساحة الدولية تماما، أو قد تعيد إحياء “الثنائية القطبية”، وتستعيد رسميا شخصية روسيا السوفييتية كقوة عظمى.

يعلم بوتين جيدا أن صعود دونالد ترامب زعزع ما يعرف تاريخيا بـ”العلاقات الخاصة” على ضفتي الأطلسي (بين لندن وواشنطن). “بريكست”، وصعود التيارات اليمينية الشعبوية في أوروبا غيّرا طبيعة العلاقات “التاريخية” بين الدول الأوروبية بشكل عام. اليوم، صرنا أمام حروب تجارية تشنّها الولايات المتحدة على حلفائها الأوروبيين. من كان يصدق قبل عقد فقط أن ذلك من الممكن أن يحدث؟ لا أحد بالطبع!

الثغرات التي ظهرت في الروابط الإستراتيجية بين معسكر “الغرب” صارت شاسعة. بوتين يراقب ذلك ويترقّب أي إشارة ضعف غربي، وينتظر الوقت المناسب لاستغلالها.

كل هذه المؤشرات تعكس أن النظام العالمي يتخذ مسارا يحقق في النهاية مصالح بوتين. الأمر يشبه صعود النازية في ألمانيا خلال عشرينات القرن الماضي، من خلال التلاعب بمعتقدات الناس، ونشر الأخبار الكاذبة، ورفع مستوى الشعور القومي، وانتعاش التطرّف اليميني في القارة. النازية تحوّلت إلى دولة قوية لأنها قدّمت نموذجا بديلا عن المعادلة السياسية القائمة، بغض النظر عن شكل هذا النموذج أو أهدافه.

مهمة بوتين الأساسية هي تقديم النموذج البديل، حتى ولو كان في صورة أسلحة نووية وصواريخ باليستية “لا تقهر”.

لن تستمر أزمة استهداف سكريبال طويلا، لأن الجانبين لا يستطيعان تحمّل تبعات أي مواجهة أو التعايش مع كلفتها. لكن انتهاء الأزمة سيمثّل بداية لعصر “الإفلات من العقاب”، وضرب المصالح الغربية دون رد.

لن تكون المشكلة حينها في حجم هذه المصالح المستهدفة، بقدر ما ستكون في المدى الزمني الذي سيستغرقه الغرب لإدراك ذلك، واستعادة القدرة مرة أخرى على مواجهة موسكو.

9