أزمة الجزائر الاقتصادية تفرض إعادة هيكلة سوناطراك

امتدت تداعيات الأزمات الاقتصادية الجزائرية إلى شركة سوناطراك الحكومية، لتصبح أمام حتمية إعادة هيكلتها لتتمكن من التأقلم مع التحديات التي تواجه الدولة في ظل استمرار تدهور أسعار الطاقة في الأسواق العالمية للعام الرابع على التوالي.
الاثنين 2017/10/23
نظرة إلى أفق غامض

الجزائر - ألمحت التصريحات الأخيرة للرئيس التنفيذي لسوناطراك عبدالمؤمن ولد قدور إلى تحولات عميقة، قد تنهي احتكار الشركة لقطاع النفط في الجزائر.

وبعد عقود من إدراجها في خانة القطاعات السيادية غير القابلة للتنازل أو المساومة، يجري التحضير على ما يبدو لإصلاحات عميقة داخل الشركة المملوكة للدولة بدعوى الأزمة غير المعلنة التي تعيشها.

ويقول المحللون إن تركيز ولد قدور على مسألة “استشراء الفساد والبيروقراطية الإدارية”، يأتي ضمن تلك الاستعدادات لإعادة هيكلتها وإنهاء احتكارها لقطاع النفط في البلاد، وفتحها على شراكات محلية وأجنبية.

وربط هؤلاء ذلك الأمر بإصرار الحكومة على الاستثمار في مجال الغاز الصخري بحثا عن موارد مالية جديدة.

وكان ولد قدور قد طرح في مؤتمر النفط والمال المنعقد في لندن إمكانية عقد شراكات مع سوناطراك لاستغلال وتسويق الغاز الجزائري، لتؤكد القراءات التي ذهبت إلى توقع مراجعة قانون الطاقة في البلاد، في شكل حوافز ضريبية للمستثمرين الأجانب.

وكان الرئيس التنفيذي للشركة النفطية قد اعترف في ملتقى خاص حول سوناطراك، بوجود مشاكل واختلالات تعاني منها الشركة في غياب استراتيجية واضحة بعيدة المدى.

وأوضح أن ذلك الأمر بات يشكل أزمة جوهرية ولمسها في غياب نظام للإعلام والاتصال وآليات الاستشراف، وعدم جدوى بعض الفروع التابعة لها.

وكل هذه المؤشرات تكشف عن رغبة الرجل في القيام بعملية هيكلة واسعة ومراجعة الكثير من المسائل المتعلقة بقطاع النفط، كإبرام عقود شراكة للاستغلال والتطوير.

ويعتقد الرئيس التنفيذي السابق للشركة حسين مالطي أن الشركة التي تأسست عام 1963، وأصبحت تحتكر القطاع بعد قرار التأميم في 1971، ظلت تشكل المصدر الأساسي لمداخيل العملة الصعبة، ولذلك كانت محل عدم استقرار في جهازها الإداري.

عبدالمؤمن ولد قدور: الشركة تفتقد لمنظومة استشراف وآليات الاتصال، وبعض فروعها عديمة الجدوى

وظهرت أزمات متتالية داخل الشركة النفطية خاصة خلال السنوات الـ15 الأخيرة بسبب التجاذبات السياسية بين أقطاب السلطة.

وتعاقب العديد من المدراء التنفيذيين على الشركة في السنوات الأخيرة، لا سيما في أعقاب انفجار ملفات فساد، هزت مصداقية الشركة في الأسواق النفطية، بعد الكشف عن ضلوع أسماء كبيرة في الداخل والخارج، في قضايا رشى وتحويلات وتبديد المال العام.

وكان القضاء قد عالج ملفين معروفين بـ“سوناطراك 1” “وسوناطراك 2”، اتهم فيهما عددا من كبار المسؤولين في الدولة، وفي مقدمتهم وزير النفط السابق شكيب خليل، وحتى الرئيس التنفيذي الحالي، المتهم حينها بتحويل مليار دولار دون موجب قانوني.

ويؤكد مالطي أن الإدارة الجديدة في الظرف الراهن تتجه إلى إرساء احتكار جديد للوبيات السياسية والمالية الحاكمة، وإنهاء حقبة سيادة الدولة على الشركة، التي وفرت للبلاد تريليون دولار خلال السنوات الأخيرة.

ويرى مختصون أن الوصاية المفروضة من طرف الحكومة على الشركة منذ الاستقلال في 1962، وإدراجها في خانة التوازنات السياسية قبل الاقتصادية، منحا المسيرين الجدد فرصة التمهيد لحزمة إصلاحات وهيكلة جديدة.

وشكل عزوف كبرى الشركات النفطية العالمية عن العروض المتعلقة بالاستكشاف واستغلال النفط الجزائري والتي طرحتها الحكومة منذ عام 2008، أحد المؤشرات على فشل الشركة في تطوير نشاطها وإيراداتها.

ومن بين المؤشرات الأخرى الصراعات الداخلية حول قيادتها وتغلغل الفساد في إداراتها، فضلا عن قانون النفط الصادر في عام 2005، بشكل يكرس احتكار الدولة بدعوى السيادة الوطنية، وتقييد المستثمرين الأجانب بسلة ضرائب حازمة.

وكشفت عروض الحكومة الأربعة التي أطلقتها للاستكشاف النفطي والغازي عن عدم تحمس كبير للشركات الدولية، فالعرض الأول الذي أطلق في 2008 لم يسجل إلا منح أربعة تراخيص فقط، بينما منحت في العرض الثاني في 2009 ثلاثة تراخيص.

وفي العام التالي منحت الحكومة رخصتين فقط في العرض الثالث، أما العرض الرابع فقد منحت فيه أربعة تراخيص فقط، رغم أن الأمر يتعلق بالعشرات من نقاط البحث والاستكشاف في جنوب البلاد.

واتجهت الجزائر مطلع الألفية إلى تكثيف نشاط الاستغلال والتسويق حيث قاربت صادرات البلاد من النفط سقف 1.3 مليون برميل يوميا، والانفتاح على التجارب الأميركية، ووضع قانون ينهي الاحتكار الحكومي للقطاع.

ولعب تخبط السلطة في التعاطي مع ملف الوقود دورا في تراجع نشاط الشركة وانكماش استثماراتها، لا سيما مع المراجعات المتناقضة لقانون النفط.

واضطر عبدالعزيز بوتفليقة في عام 2005، تحت ضغط المعارضة المحذرة من “بيع السيادة الوطنية وثروات البلاد للأميركيين”، إلى مراجعة قانون الوقود بحيث تكون أغلب الحصص الاستثمارية في أي مشروع للدولة.

ولم يكتف بذلك، بل تم إقرار حزمة ضرائب على الشركات النفطية العاملة آنذاك، مما أدى إلى نفور الرأسمال الأجنبي، وعجز سوناطراك عن الاستمرار في نفس وتيرة الاستكشاف والإنتاج والتسويق.

10