أزمة الحكومة والمعارضة في مصر: هل تتعارض الحريات مع الأمن

المعارضة أسيرة خطاب بعيد عن الواقع، والقدرة على التأثير في الشارع تحصن المعارضين من قبضة السلطة القوية.
الجمعة 2018/08/31
المعارضة في حاجة إلى عمليات انعاش

القاهرة - بعد نحو عامين من الغياب، عقدت الحركة المدنية الديمقراطية، الاثنين الماضي، مؤتمرا غابت عنه وسائل الإعلام المحلية، الرسمية والخاصة، أعلنت فيه التضامن مع عدد من الشخصيات التي ألقي القبض عليها مؤخرا، وعلى رأس هؤلاء مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق معصوم مرزوق، الذي طالب باستفتاء شعبي على استمرار نظام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، أو تسيير مظاهرات (31 أغسطس 2018).

وكانت نيابة أمن الدولة العليا قررت حبس معصوم و7 من رفاقه، ووجهت لهم تهمة “مشاركة جماعة إرهابية (الإخوان) في تحقيق أهدافها، وتلقي تمويل بغرض إرهابي والاشتراك في اتفاق جنائي الغرض منه ارتكاب جريمة إرهابية”؛ كما تم اعتقال العضو البارز في حزب الكرامة رائد سلامة، والأكاديمي يحيى القزاز، اللذين انتقد كل منهما نظام السيسي على طريقته، على ذمة التحقيقات.

وأضاءت تحركات معصوم ثم الحركة المدنية النور قليلا، وبعثت بأمل في إمكانية قيام المعارضة بمعاودة نشاطها، الأمر الذي جعل البعض يتطلع إلى استنفار المعارضة ردا على اعتقال معصوم مرزوق ورفاقه باعتباره صحوة سياسية يمكن أن تعيد الحياة لجسدها الذي لا يزال أسير خطابات سريالية غير قادرة على التحول إلى واقع وتخنقه قبضة أمنية قوية.

كسل سياسي

 

دخلت المعارضة المصرية تحديا جديدا سيكشف إلى أي مدى لم تفقد كل قوتها وقدرتها على الرد، ومن ثمة التأثير، وذلك من خلال الخطوات التي ستتخذها، بعد فترة طويلة من الخمول، ردا على حملة الاعتقالات التي طالت مؤخرا بعض الشخصيات السياسية، منها السفير السابق معصوم مرزوق.

تتحمل المعارضة المصرية جانبا من مسؤولية الكسل السياسي الذي يخيم عليها، وتتهم دائما الحكومة بأنها تفرض حصارا متعمدا على الأصوات المختلفة معها وتقوم بالتضييق عليها في الحريات العامة. وتواجه المعارضة اتهامات مستمرة بأنها ضعيفة وهشة ولا تملك ظهيرا شعبيا حقيقيا، بعدما فقد قطاع كبير من المواطنين ثقتهم فيها.

وجاء القبض على السفير معصوم مرزوق، على خلفية طرحه لمبادرة أو خارطة طريق للوضع في مصر، وإجراء استفتاء على السلطة الحاكمة. ورغم صعوبة التنفيذ، منح التحرك المعارضة زخما افتقدته الفترة الماضية، ولقي تأييد البعض فيها، لكنه قوبل بالرفض أيضا من قبل أطياف أخرى في المعارضة، وبينها الحركة المدنية نفسها، التي عادت ودافعت عن معصوم، بعد أن تنصلت من مبادرته وقالت إنها “ليست طرفا في هذه المبادرة ولا تتوافق معها”. وحذرت بعض الدوائر المؤيدة للحكومة المصرية من مغبة الإجراءات الأمنية التي جرت مع معصوم، ملمحة إلى أن اعتقاله وعدد ممن أيدوا مبادرته، قد يمنحهم “بطولة سياسية زائفة”، ويسيء إلى مصر في الخارج، ويؤكد بعض القناعات التي راجت بشأن القيام بعمليات اعتقال لا تفرق بين المجرمين الجنائيين والسياسيين ومعتقلي الرأي.

وفسر بعض المراقبين حملة الاعتقالات الأخيرة، بأن الحكومة تخشى التهاون مع التحركات الصغيرة، فمن الممكن أن تلقى رواجا ويتسع نطاقها، وسط تصاعد حدة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والاختناق السياسي والأمني، وربما تصبح نواة لتحركات أخرى أشد.

ويستند هؤلاء على تجارب سابقة، في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك ثم حكم الإخوان المسلمين، عندما سمحت السلطات في العهدين بممارسة قدر من الحرية، حتى انفلت الموقف وتحولت الحرية المنضبطة والتساهل مع التظاهرات المتقطعة التي عمت الميادين والشوارع في مصر إلى فوضى وأدت إلى سقوط النظامين.

وأظهرت الحكومة المصرية عدم اكتراث في البداية بمبادرة معصوم وتركتها لحالها، وكأنها تريد أن تقيس مداها أو تجس النبض حيالها، وربما رأت فيها خطوة لا تستحق المتابعة حتى لا تمنحها زخما، إلى أن وجدت إصرارا من معصوم ورفاقه على الدعوة لتظاهرات 31 أغسطس.

وبدأت الدعوة تلقى تجاوبا من جانب البعض على مواقع التواصل الاجتماعي، فرأت الحكومة ضرورة إعادة التأكيد على تحكمها في مفاصل الحياة السياسية، واتخذتها ذريعة لردع المعارضين إذا حاولوا الضغط عليها وتوظيف مشكلاتها الاقتصادية لصالحهم.

أثبتت الحكومة أنها مستمرة على نهجها في إحكام قبضتها على الشارع، تحت لافتة “دعم استقرار الدولة”. وعادت وسائل الإعلام، التي تدور في فلك الحكومة، لتلقي سيلا من الهجوم على رموز المعارضة وتردد النغمة السابقة بأنهم يتحركون بتعاون وتنسيق مع الإخوان لهدم الدولة، والوقوف ضد عملية إصلاح المجتمع، وهي نوعية بسيطة من الاتهامات التي وجهت لمرزوق ورفاقه من المعارضين.

وقال خالد داوود القيادي في الحركة المدنية والرئيس السابق لحزب الدستور، إنهم يحاولون “تفنيد الاتهامات الموجهة ضدهم ودحض حملة التشويه التي يتعرضون لها والتي تطلبت ردا واضحا وصريحا من أحزاب المعارضة المنضوية تحت لواء الحركة المدنية الديمقراطية، والتحذير من عواقب انتهاج مثل هذه السياسات”.

وأضاف لـ”العرب” أنهم يرفضون “محاولات توريطهم، سواء بالزعم أن هناك اتصالا مع جماعة الإخوان المسلمين، أو الوقوف ضد خطط الإصلاح والتنمية، ولكننا نمارس دورنا الوطني في تقديم رؤى تصحيح المسار السياسي والاقتصادي”.

واعتبر أن “حملة التشويه ممنهجة ولم تكن موجهة للسفير معصوم مرزوق وحده، لكن للمعارضة المصرية ككل، على ضوء ما تداولته صحف ومواقع إخبارية حكومية وخاصة”.وتتعرض المعارضة لانتقادات عنيفة واتهامات بأنها صورية وغير مؤثرة، ولا تقوم بعملها السياسي الوطني بالطريقة الصحيحة، وهو ما رد عليه داوود بالقول “إذا لم تكن للمعارضة تأثيرات، فلماذا يتم القبض على عناصر منها وما سر الهجوم الضاري عليها؟”.

أزمة مزدوجة

فريد زهران: إذا أرادت الحكومة إعادة نظام الحزب الواحد فلتعلن عن ذلك
فريد زهران: إذا أرادت الحكومة إعادة نظام الحزب الواحد فلتعلن عن ذلك

تؤدي ازدواجية الحكومة في إعلانها الظاهر بالسعي لتعزيز العمل السياسي والانفتاح والحوار مع المعارضة، ثم القيام بعمليات اعتقال، إلى أزمة كبيرة تهز مصداقيتها لدى المواطنين والأحزاب، وهو ما أيده فريد زهران رئيس حزب المصري الديمقراطي المعارض.

وأوضح زهران لـ”العرب” “إذا أرادت الحكومة إعادة نظام الحزب الواحد فلتعلن عن ذلك، فالدستور يعزز التعددية الحزبية وتداول السلطة ومحاسبة ومساءلة الأجهزة التنفيذية وفي نفس الوقت يتم حبس أصحاب الرأي واعتبار أي معارضة محاولة لإثارة البلبلة”.

وأشار عبدالعزيز الحسيني عضو المكتب السياسي لحزب تيار الكرامة، لـ”العرب” إلى أن حراكهم قوامه المطالبة بالإفراج عن كل سجناء الرأي غير المتورطين في قضايا عنف أو إرهاب، ومطالبة السلطة برفع يدها عن الإعلام وإطلاق الحريات وإلغاء القوانين غير الدستورية المقيدة للرأي والفكر والتعبير والتنظيم والنشر.

وتكشف تصريحات شخصيات معارضة وجود صحوة نسبية ضد الحكومة وقراراتها التي ظلت طوال العامين الماضيين تمضي في سياساتها، لكن غضب الأحزاب ومطالبتها الشاملة بعودة الحياة السياسية وإضفاء المزيد من الحرية لا يشي بتغيير كبير في العمل العام، في ظل عدم ظهور تغير في خطة الحكومة حيال المعارضة، وتجاهل ما تطرحه الأخيرة من تحفظات.

ولفت خالد البلشي الصحافي والناشط السياسي، إلى أن مطالب المعارضة ينبغي أن تتلوها تفاهمات على رؤية وطنية، والتحرك وفقا لبرنامج موحد تعمل عليه المعارضة بشكل مشترك.

وقال لـ”العرب” إن المعارضة المصرية تعيش حاليا “أزمة كبرى بسبب الحصار المفروض عليها، وهو ما يتضح من كم التحركات الأمنية التي أحاطت بمؤتمر الحركة المدنية الأخير، لمجرد أن مجموعة من الأحزاب قررت إقامة مؤتمر صحافي وليس تظاهرة سياسية”.

ويرى البعض من المراقبين أن أحزاب المعارضة في مصر، تحتاج إلى تنظيم كبير، يسمح لها بالخروج من جدران مقراتها البعيدة عن الشارع، ما يستوجب إطلاق نقاش على أرضية موحدة والتلاقي حول خطوط عريضة، على رأسها الاهتمام بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تستقطب الجمهور، إذا استشعر أن المعارضة تتحدث فعلا باسمه وتعبر عن معاناته، وبعيدة عن أي مصالح ضيقة.

واستبعد متابعون أن تغير التطورات الأخيرة من تعامل الحكومة أو تضفي بريقا على المعارضة، ولفتوا إلى أن تحركات الطرفين (الحكومة والمعارضة) ستمر دون أن تخلف وراءها حراكا سياسيا حقيقيا، ومبادرة معصوم افتقدت الحد الأدنى من الواقعية وربما تحشر المعارضة في نفقها المظلم لفترة أطول، لأنها لفتت انتباه الحكومة لضرورة التعامل بحسم أكبر معها.

6